دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ [الحج: 37] ، ولذلك فإننا سمعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «التَّقْوَى هَا هُنَا» (1) وأشار إلى صدره.
فالكيِّس يقطع المسافة بصحة العزيمة وعلو الهمة وتجريد القصد، وصحة النيل مع العمل القليل، يقول على - رضي الله عنه -: لا تهتموا بقلة العمل واهتموا بالقبول فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ بن جبل: «أخلص العمل يجزك منه القليل» (2) .
إن العزيمة والمحبة في القلب تذهب المشقة وتطيب السير، والتقدم والسبق إلى الله سبحانه إنما هو بالهمم وصدق الرغبة والعزيمة فيتقدم صاحب الهمة مع سكونه صاحب العمل الكثير بمراحل (3) .
وأنت تسمع قول ربنا لرسولنا - صلى الله عليه وسلم -: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا} [المزمل: 5] ، وهذا الثقل تخففه النية الصادقة في القلب المحب؛ لأن هداية القلب وإضاءة النفس وعلو الهمم إنما يزكيها الجد، فاستجلب نور الجد بدوام الجد فلابد من الجد الدائم؛ لأن خواطر الفكر دائمة وحركات الجوارح متصلة، فالفكرة لا تحد واللسان لا يصمت والجوارح لا تسكن؛ ولذا يقول بعض السلف: إني لأستحب أن يكون لي في كل شيء نية حتى في أكلي ومشربي ونومي ودخولي الخلاء، يقول الحسن البصري: «إن المؤمن والله ما نراه إلا يلوم نفسه: ما أردت بكلمتي، ما أردت بأكلتي، ما أردت بحديثي، وإن الفاجر يمضي قدمًا ولا يعاتب نفسه» ، «لأن حقيقة الإيمان لا يتم تمامها في القلب حتى يتعرض المسلم لمجاهدة النفس والناس، ولذلك كان علاج الإخلاص كسر حظوظ النفس وقطع الطمع عن الدنيا والتجرد للآخرة، بحيث يغلب ذلك على القلب، فإذ ذاك يتيسر الإخلاص» (4) ، وكم من أعمال يتعب الإنسان فيها ويظن أنها خالصة لوجه الله ويكون فيها مغروراً؛ لأنه لا يرى وجه الآفة فيها؛ ولذلك علمنا الرسول - صلى الله عليه وسلم -
(1) رواه الترمذي.
(2) رواه الديلمي.
(3) الفوائد لابن القيم، ص 140.
(4) الدعوة قواعد وأصول، للمؤلف، ص 48.