ولقد نزلت هذه الأحكام بقصد إسعاد الناس في الدنيا والآخرة ومن يتتبع آيات الأحكام يجد كل منها يترتب عليه جزاءان: جزاء دنيوى وجزاء أخروى.
ولم تشرع آيات الأحكام للدنيا والآخرة عبثًاَ وإنما اقتضى ذلك منطق الشريعة فهي في أصلها تعتبر أن الدنيا دار ابتلاء وفناء وأن الآخرة دار بقاء وجزاء وان الإنسان مسئول عن أعماله في الدنيا ومجزى عنها في الآخرة فإن فعل خيرًا فلنفسه وإن أساء فعليها والجزاء الدنيوى لا يمنع من الجزاء الأخروى إلا إذا تاب الإنسان وأناب.
وأحكام القرآن لا تتجزأ ولا تقبل الانفصال لأن النصوص الشرعية تمنع من العمل ببعضها وإهمال البعض الآخر كما تمنع من الإيمان ببعضها والكفر ببعض وتوجب العمل بكل أحكامها والإيمان بها إيمانًا تامًا بكل ما جاءت به (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)
وتمتاز الشريعة الإسلامية عن الشرائع الوضعية بميزات عظيمة هى أن أحكامها شرعت للدنيا والآخرة - كما قلنا - وهذا هو السبب الوحيد الذي يحمل معتنقيها على طاعتها في السر والعلن والسراء والضراء لأنهم يؤمنون بأن الطاعة لله نوع من العبادة تقربهم إليه وأنهم يثابون على هذه الطاعة ومن استطاع منهم أن يرتكب جريمة ويتفادى العقاب الدنيوى فإنه لا يرتكبها مخافة العقاب الأخروى وغضب الله عليه.
ولذلك فهي تلزم معتنقيها أن يتخلقوا بالأخلاق الفاضلة ومن تخلق بالأخلاق الفاضلة ندر أن يرتكب جريمة وهم بعد ذلك يعلمون أن الله رقيب مطلع على أعمالهم وأنهم مهما استخفوا من الناس فلن يستخفوا من الله وهو معهم أينما كانوا