والظن (إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى) .
بعد هذا الفهم المحدد للبدعة في الدين يتضح أن الأمور الخلافية والأحكام الظنية التي يختلف فيها العلماء ليست من البدع ولا من الهوى والظن فليس كل من خالف أخاه في رأى - كما سنرى بالنسبة للبدعة التركية والإضافية - أو أخذ برأى فقيه يصير مبتدعًا وإنما هو مقلد وبذلك تخرج الأمور التي في دائرة الخلاف الفقهى من الابتداع.
وعلى هذا فإن على المسلم أن يفكر فيما يلائم عصره من طرق التثقيف وخطط التعليم بما يوسع مدارك أبناء الشعب ويصل بهم إلى الثقافة النافعة من أقرب الطرق وأيسرها وليس له أن يجمد على ما ورث من ذلك من آبائه وأجداده ويقف مكتوف اليدين دون أن يسلك طريق الاختراع والابتداع بما يحقق له العزة والمجد من وسائل الحياة ما دام لم يخرج عن دائرة ما أبيح التصرف فيه إلى دائرة المنهى عنه وليعلم المسلم أن كل ما يحدث في هذا الجانب من المخترعات التي لم يسبق بها يكون محفوظًا له في تاريخ العاملين على ترقية شعوبهم ويكون له في الوقت نفسه الثواب عند الله بقدر ما ينتفع العباد بمخترعاته وإنتاجه، وليس لنا أن نقول عن شيء يقع في هذه الدائرة أنه لم يفعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا أحد من خلفائه فلا نقول نفعل ذلك لأنهم لم يفعلوه لأن زمنهم لم يطلبه ولم تخلق لديهم بواعث عمله أو التفكير فيه، ومحال على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه أن يعترضوا لأن تقدمهم في الحياة شيء لا يمس عمله عقيدة أو عبادة فضلًا عن أن لديهم وسائل القدرة عليه إلا أنهم لم يعملوه بحجة أن الله لم يأذن لهم فيه فهو من باب"أنتم أعلم بأمور دنياكم".
وقد وافق الرسول - صلى الله عليه وسلم - سلمان الفارسى في حفر الخندق حول المدينة واشترك في حفره وما مشروعات عمر بن الخطاب في تنظيم الدولة وإنفاذ الجيوش وترتيب الخراج وحبس ما أفاء الله على المؤمنين وتعيين الولاة وتغييرهم إلا أثرًا من آثار هذا