الإنسان في قوله تعالى: {فَلْيَنظُرِ الإنسَانُ مِمَّ خُلِقَ. خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ. يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرَائِبِ} [الطارق: 5 - 7] ، فلقد اطلع العلم الحديث على هذه الحقيقة، وعرف أنه في عظام الظهر الفقارية يتكون ماء الرجل وفي عظام الصدر العلوية (الترائب) يتكون ماء المرأة حيث يلتقيان في قرار مكين فينشأ منهما الإنسان.
وفي قوله تعالى في سورة النور: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصَارِ} [النور: 43] .
جاء في القرآن الكريم ذكر السماوات والأراضين والشمس والقمر والسحب والأمطار والنبات والحيوان وعجائب الخلق وغرائب المكونات في كثير من المواطن، فهل يريد القرآن بهذا أن يتناول هذه النواحي بالتحليل العلمي فيوضح للقارئين ماهيتها وكنهها وعناصرها وأجزاءها، ويبين لهم طبائعها وخواصها، ويكشف لهم عن أسرار نواميسها وحقيقة قوانين سيرها ووقوفها ونموها وضعفها، أم أن القرآن الكريم يعرض لكل هذه الظواهر الكونية لغرض آخر غير هذا التحليل العلمي ويدع هذا التحليل لوقته والظروف الملائمة له عندما تتهيأ العقول البشرية لقبوله وإدراك غوامضه وأسراره؟
لا شك أن القرآن لم يجيء ليكون كتاب فلك ولا هيئة ولا كيمياء ولا هندسة ولا غير ذلك من الشئون التي تتناولها العلوم الكونية، وإنما جاء ليكون كتاب هداية وإرشاد وتطهير للنفس البشرية، ويسمو بها إلى الكمال الممكن اللائق بجمالها، وإيضاح وتقوية للصلة بين الخالق والمخلوقين بعضهم بعضًا، وتقرير للحقوق والواجبات، وتفصيل للمصالح والمضار في المأمور والمنهيات التي تتصل بسعادة الناس في معاشهم ومعادهم وإن أشار في كثير من الأحيان إلى دقائق العلوم الكونية وعجائب النواميس التي تسير عليها المخلوقات، إنما جاء القرآن كذلك لحكم جليلة منها: