فهرس الكتاب

الصفحة 534 من 545

1 -إنه إذا تناول حقائق العلوم والمعارف الكونية بالشرح والبيان فقد قطع على العقل البشري سبيل الرقي، وحرمه لذة الجهاد العلمي، وقضى على استقلاله وحريته بالجمود، والخمود، ولم يبق للعلماء فضل على الجهلاء، وكان الناس في المواهب سواء، فلم تشهد الإنسانية إلا جيلاً واحداً ثم يقضي عليها بعد ذلك بالفناء.

2 -إن طبيعة العقل البشري في نشوئه وتكوينه لا تقبل هذه الطفرة ولا تحتملها، وإنما يسلك العقل البشري في النوع الإنساني مسلكه في الفرد الواحد له أطوار وأدوار، فهو ينشأ ضعيفاً لا يكاد يدرك ما حوله ثم تتسع أمامه آفاق الإدراك وحدوده فلا يزال يتعلم فيعلم حتى يبلغ أقصى قوته ويأخذ من المعرفة بالنصيب الذي كتب له، وأنت إن فاجأته وهو في دور طفولته وضعفه بما لا يستطيع إدراكه ولا يقوى على اكتناه ماهيته آذيته وشردته وأضللته وقذفت به في مهاوي الفتنة والشك والارتياب، وتصور أن طفلاً سألك عن قوانين التيار الكهربائي كيف يتولد؟ وكيف يسير؟ وكيف تتحرك به القوى العظيمة وتشتعل بضوئه المصابيح القوية على البعد والقرب سواء؟ أو سألك عن أوجه القمر في نشوئه هلالاً ثم اكتماله بدراً ثم عودته بعد ذلك من الكمال إلى النقص حتى يختفي جرمه ويخبو نوره، أو سألك عن البخار كيف يدير البواخر ويحمل على الماء الأعلام المواخر؟ أتستطيع أن تتبسط في شرح ذلك لطفل صغير لم يتلق هذه العلوم ولم يستقِ بعد من معين هذه المعارف؟

كذلك العقل الإنساني في نشأته وأدوار حياته وأطوار نموه دائم الرقي والاكتمال بحسب ما يكتسب من المعارف المتجددة والتجارب المتكررة المتعددة، وما كان القرآن - وهو كتاب العصور كلها والعقول جميعا: أن يتناول من علوم الكون إلا ما يتفق مع مدركات هذه العقول، ثم يدع لرقيها الفكري الكشف عما سوى ذلك بحسب قوانين النمو والارتقاء، وذلك من أدب الإسلام في التعليم ومن سننه في إرشاد الناس إلى حقائق المعارف. روى البخاري في صحيحه عن علي - رضي الله عنه: «حدِّثوا الناس بما يعرفون؛ أتحبون أن يكذب الله ورسوله» (1) ، وروى مسلم عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: «ما أنت بمحدث

(1) رواه البخاري، كتاب (العلم) باب (من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية أن يتهموا) ، عن على موقوفاً برقم 127.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت