فهرس الكتاب

الصفحة 469 من 545

فمعرفة الله تستلزم عبادته، ومن كان أكثر معرفة كان أشد خشية وأكثر إنابة، وفي هذا المعنى يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «إِنِّيْ أَعْلَمُكُمْ بِاللهِ، وَأَشَدُّكُمْ لَهُ خَشْيَةً (1) وَاللهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - يَقُوْلُ: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] » (2) .

فالأعمال الصالحة والخشية الصادقة لا تكون إلا نتيجة إيمان عميق بالله ومعرفة حقه به، وكلما زادت المعرفة وقويت ازدادت الطاعة وكثر العمل الصالح، فدعوة الرسل هي الدعوة إلى عبادة الله وإفراده بالعبادة مع الدعوة إلى معرفة الله؛ لأن من لم يعرف الله لا يعبده، فمن الطبيعي أن تسبق الدعوة إلى الله معرفته - سبحانه وتعالى - ؛ لأنها ضرورة لازمة لها.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 20 - 21] .

فلا بد لمن عرف أنه لا إله إلا الله أن يعبد الله كما أمره أن يعبده، وإلا فلا قيمة لاعترافه بأن الله هو الإله الحق، وما عداه باطل، فمعرفة الله تستوجب عبادته وطاعته في كل صغير أو كبير.

للعلم بلا إله إلا الله ثمرات طيبة ونتائج حسنة، فالله - سبحانه وتعالى - يخاطب نبيّه - صلى الله عليه وسلم - بقوله: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} [محمد: 19] ، وفي ذلك إشارة إلى وجوب المعرفة وإلى ثمرة المعرفة المترتبة على ذلك العلم الكامل النافع، والقرآن الكريم يقرر هذا المعنى نفسه تقريرا واضحا، إذ يقول: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] ، فقد قصر صفة الخشية الحقة الكاملة على صنف من عباده، وهم العلماء بالله، العارفون بربهم إذ إن العمل أو القول لا يمكن أن

(1) انظر: فيض القدير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت