وَالْمَطْلُوبُ، مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الحج: 73 - 74] ، فأي عجز للإنسان أمام ما يبين القرآن له ويوضح له.
«وبذلك يكون قد استخدم عقله للهداية لا للإفساد، وقلبه للإيمان ومحبة عباد الله الصالحين، لا للكفر والحقد والكراهية، ويسعى في تحصيل الخير وعمران الأرض، فإذا به - بهذا العقل الراجح والقلب السليم - يصبح سيد نفسه فيؤمن بالحق وينصره، ويكفر بالباطل ويطارده؛ لأن الإسلام يريد للإنسان أن يكون إنساناً» (1) .
ومن أجل هذا كان خطاب المولى - سبحانه وتعالى - للعقل الصائب، والإدراك السليم أن يعقل ويفكر ويتأمل: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [سبأ: 46] .
إنها دعوة إلى العقل المجرد ليفكر تفكيراً سليماً بعيدًا عن الهوى والظن ويعرف أن له خالقاً خلقه وصانعاً أوجده. ولقد ضرب القرآن المثل ليوضح ذلك للعاقلين، يقول بعض السلف: إذا سمعت المثل في القرآن فلم أفهمه بكيت على نفسي لأن الله يقول: {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43] ، قال الحسن: لا يتم دين الرجل حتى يتم عقله وما أودع الله امرأ عقلاً إلا استنقذه به يوماً.
واسمع إلى القرآن وهو يثير العقول لتعي وتنظر وتتدبر قوله - سبحانه وتعالى -: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ} [البقرة: 26] ، والآيات التي تثير العقل وتدعوه إلى التفكير للوصول للهداية الحقة كثيرة مثل قوله تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [المؤمنون: 91] ، ويقول للرسول - صلى الله عليه وسلم -: لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ
(1) منهج القرآن في عرض عقيدة الإسلام، للمؤلف، ص 13.