الشرائع الوضعية - القوانين - في المجتمعات البشرية التي يسمونها المجتمعات البدائية كانت تتكون تدريجيًا من صور العادات والأعراف في هذا المجتمع، ولما ارتفعت حياة الأمة وزادت مداركها بدأت بعض هذه الأعراف تقنن وتصير قانونًا يحكم المجتمع فانتقلت من شيوع العرف إلى تقنينه ليصبح قانون له السلطة الحاكمة على هذا المجتمع نفسه بتقنين العادات والتقاليد كنظام آمر يحكم هذا المجتمع البدائي.
ثم ارتقى التشريع نفسه في المجتمع فكلما نضج هذا المجتمع وازداد علمًا وضعت له الأسس القانونية التي تحكمه وتحكم سلوكه في هذا المجتمع نفسه حتى أصبح العرف قانونًا حاكمًا يحكم وبذا أصبحت الأعراف نفسها قوانين ثابتة في داخل المجتمع نفسه، فإذا سُن قانون وضعي وضع هذه الأعراف في اعتباره بشرط أن تكون هذه أعرافًا حسنة ومعتبرة، أعرافًا جيدة يقرها الجميع لأنه يستبعد العادات والأعراف الفاسدة.
فالشرع بوجه عام في أمة من الأمم ليس إلا صورة صحيحة لحياة المجتمع، للحياة الاجتماعية، فهدف هذا القانون إقامة العدل، وحفظ التوازن بين الحقوق والواجبات، وصيانة حقوق الناس بوجه عام، حتى لا يعتدي أحد على أحد وهذه القواعد إما أن تكون وقتية غير صالحة للخلود إذا كانت تعبر عن أوضاع خاصة، أو أن تكون صالحة للخلود لها صفة الاستمرار والدوام والسمو.
وليس اختلاف الشرائع بين الأمم إلا تعبيرًا عن الاختلاف في الحياة الاجتماعية والاقتصادية وفى الأهداف التي تتجه إليها أو نحوها هذه الحياة والمُثُل العليا التي تستنتجها الأمة من عقيدتها وهذه كلها أمورٌ تتصل بالقوانين الوضعية، فضلًا عن الأعراف التي يقرها القانون؛ لأنها لا تصطدم بخلق أو قيمة من القيم أو حتى بدين من الأديان، ويستبعد دائمًا من القوانين ما يصطدم بعادات وأعراف الناس في هذا المجتمع نفسه ومن هنا كان التشريع الوضعي بوجه عام له ثلاث وظائف: وظيفة علاجية، ووظيفة وقائية، ووظيفة توجيهية وفى الأمر تفصيل ليس هنا مكانه.