فهرس الكتاب

الصفحة 543 من 545

تركبت منه وذلك ينتهي إلى البسيط الصرف وهو لا سبيل إلى اكتناهه بالضرورة، وغاية ما يمكن عرفانه منه هو عوارضه وآثاره، خذ أظهر الأشياء وأجلاها كالضوء .. فقد قرر الناظرون فيه أحكاماً كثيرة حصلوها في علم خاص به، ولكن لم يستطع ناظر أن يفهم ما هو ولا أن يكنه معنى الإضاءة نفسها، وإنما يعرف من ذلك ما يعرف كل بصير له عينان وعلى هذا القياس».

1 -تحدث الفيلسوف الفرنسي «جوستاف لوبون» (1) في كتابه «تحول المادة» عن تطور المعارف الإنسانية الكونية وقصور العقل البشري عن إدراك حقائق النواميس الطبيعية في كلام طويل نقتطف منه ما يلي: «كل نظرياتنا العلمية العظيمة ليست بقديمة العهد؛ لأن تاريخ العلم التجريبي المحقق لا يصعد إلى أبعد من ثلاثة قرون، وفي هذا العهد القريب قُرباً نسبياً حدث دوران مختلفان من أدوار التحول في أفكار العلماء، فالدور الأول كان دور الثقة والاعتقاد، فكانت فيه المقررات الفلسفية والدينية، وهي قواعد مدركاتنا القديمة عن الوجود تضمحل وتزول ببطء أمام المكتشفات العلمية التي تتوالى يومياً، ولا سيما النصف الأول من القرن الماضي، وكان يظن مؤسسو كل علم جديد أنهم متى أتموا بناء الصرح العلمي استمر هذا الصرح قائمًا على أنقاض أوهام الزمان الماضي، فكانت العقيدة العلمية في هذا الدور على غاية تمامها. دامت هذه العقيدة في المقررات الكبرى للعلم العصري حافظة لقوتها إلى أن حدثت في الأيام الأخيرة مكتشفات غير منتظرة قضت على الفكر العلمي أن يكابد من الشكوك في نتائج بحثه ما كان يعتقد أنه قد تخلص منه أبد الآبدين، فإن الصرح الذي كان لا يرى صدوعه إلا عدد قليل من العقول العالية تزعزع فجأة بشدة عظيمة فصارت التناقضات والمحالات التي فيه ظاهرة للعيان بعد أن كانت من الخفاء بحيث تكاد لا تبلغها الظنون.

«أدرك الناس على عجل أنهم كانوا مخدوعين، وأسرعوا يتساءلون عما إذا كانت الأصول المكونة للمقررات اليقينية لمعارفنا الطبيعية لم تكن إلا فروضاً واهية تحجب

(1) جوستاف لوبون: عالم الاجتماع الفرنسي ذائع الصيت بفضل مصطلحاته في مجال علم النفس العام ومن مؤلفاته «علم نفس الجماهير» المؤرخ له بسنة 1895 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت