من عرف أن له ربًّا قادرا على عذابه، والانتقام منه إن عصاه، وقادرا على رحمته وتكريمه إن أطاعه واتبع هواه، فإنه يلزم نفسه دائما بالعمل على طاعته، واجتناب معاصيه؛ لأنه خاف الجليل، وعمل بالتَّنْزيل، ورضي بالقليل، واستعدّ ليوم الرحيل، فكان عابدًا لله حق عبادته، عالمًا بسرّ العبودية وغايتها وحكمتها؛ لأنه عرف معنى الألوهية وحقيقتها؛ فعبد الله؛ لأن العبادة موجب ألوهيته - صلى الله عليه وسلم - وأثرها ومقتضاها" (1) ."
ولذلك، فإن مفهوم الإيمان والعقيدة ينتظم:
أولا: المعرفة بالله، والمعرفة بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، والمعرفة بدلائل وجوده ومظاهر عظمته في الكون.
ثانيا: المعرفة بعالم ما وراء الطبيعة أو العالم غير المنظور، وما فيه من قوى الخير التي تتمثل في الملائكة، وقوى الشر التي تتمثل في إبليس وجنوده، والمعرفة بما في هذا العالم أيضا من جنّ وأرواح.
ثالثا: المعرفة بكتب الله التي أنزلها لتحديد معالم الحق والباطل، والخير والشر، والحلال والحرام، والحسن والقبيح.
رابعا: المعرفة بأنبياء الله ورسله الذين اختارهم ليكونوا أعلام الهدى وقادة الخلق إلى الحق.
خامسا: المعرفة باليوم الآخر، وما فيه من بعث وجزاء، وثواب وعقاب، وجنة ونار.
سادسا: المعرفة بالقدر الذي يسير عليه نظام الكون في الخلق والتدبير.
وهذا هو مفهوم الإيمان، وهي عقيدة واحدة جاء بها كل الرسل، لا تتبدّل، ولا تتغيّر زمانا ومكانا: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13] ، وما وصّى به هو أصول العقائد، وقواعد الإيمان، وليس فروعه وشرائعه؛ لأن المولى - سبحانه وتعالى - يقول: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] .
(1) المرجع السابق بتصرف، ص 36.