فهرس الكتاب

الصفحة 512 من 545

تمطر ماء ولا تنبت زرعاً ومع هذا صنعها فلما انتهى من صنعها قال لنا في القرآن: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ. فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ. وفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًاً فَالْتَقَى المَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ. وحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ ودُسُرٍ. تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ} [القمر: 10 - 14] .

وإبراهيم حين أُمِر بذبح ابنه الحليم وترك ولده، وزوجته في صحراء جرداء لا يملك إلا أن يقول: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37] .

فكان ما كان من فضل الله على هذا المكان الذي أصبح مثابة للناس وأمناً: {وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] ، وكانت زمزم التي لا ينضب ماؤها أبداً.

وأم موسى التي ألقت بفلذة كبدها في اليم انصياعًا لأمر الله وقال لها ربها: {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ولا تَخَافِي ولا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 7] ، وهذا أمر غير معقول؛ لأن العقل يقول إن خفت عليه فهربيه، إن خفت عليه فأخفيه، ولا يقول في هذا الموقف إن خفت عليه فألقيه في اليم، فلما كان عقل أم موسى مرتباً ترتيباً إيمانياً بعد ما عرفت الله تعالى بقدرته وقوته وحكمته وصفاته - سبحانه وتعالى - كان التسليم، فعين العقل هو التسليم لله - سبحانه وتعالى - ، ولهذا فإن إيمان أم موسى هو الذي جعلها تلقي بفلذة كبدها ووضعت كلمات ربها موضع التنفيذ وهي تسمع لقوله تعالى: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 7] ، ولقد صدق الله وعده {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا ولا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [القصص: 13] .

عندما تشوق سيدنا موسى لرؤية الله - سبحانه وتعالى - وهو بشر، وبشريته دفعته لأن يرى هذا الإله القوي فقال: رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت