فهرس الكتاب

الصفحة 536 من 545

إليها ومطالبة الناس بالتفكير فيها والتصريح بعلو منزلة العلماء بها دفعاً بكل مؤمن أن يتعلم وأن يحيط بأسرار هذا الكون العجيب.

ذلك مع الإشارات اللطيفة إلى بعض الحقائق الدقيقة التي تعنو (1) لها عقول الخاصة، وتنحني أمامها رءوس الفطاحل من الراسخين في العلم، يتلوها عليهم أميٌّ كريم لم يدخل جامعة علمية ولم يتعلم في مدرسة، كذكر ناموس التلقيح: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} [الحجر: 22] ، وذكر ناموس التقدير في المخلوقات: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49] ، وغيرها من النواميس.

والعجيب في شأن القرآن الكريم أنه حين عرض لهذه المكونات ساق الكلام عنها في مساق غريب وأسلوب مدهش معجز حقاً، يساير تمام المسايرة الإدراك الفطري، ويتفق تمام الاتفاق مع التحليل العلمي والبحث الفلسفي المنطقي، فهو يجمع بين الشعر والمنطق، ويغذي العاطفة والعقل ويرقي الشعور والفكر، ويستولي على الإرادة كل الاستيلاء، ويفيد هذا وذاك الأثر المقصود والعزة المنشودة، وذلك من أسرار الإعجاز التي انفرد بها القرآن الكريم، وامتاز بها كلام الخالق العليم عن كلام المخلوق القاصر العاجز.

تقرأ مثل قوله تعالى: {فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء} [الأنعام: 125] ، فتصور هذه الآية الكريمة في النفس ذلك المعنى الفطري السهل وتمثل لها ذلك الضال رجلاً منهوكًا متعباً قد بهرت أنفاسه وتقطع نياط قلبه مما حمل من أعباء الضلال كأنما عليه أن يقاسي - في مرارة متجددة - هول صعود السماء، والآية بهذا المعنى الفطري تحدث في تلك النفس العامية ما قصدت إليه من تأثير في تقبيح صورة الضلال والإبعاد عنه، وهذه الآية نفسها تثير في النفس العلمية ذلك المعنى الكوني الذي أيده البحث، وأثبته العلم من

(1) «عنا» عُنوَّا: خضع وذل، ويقال عنا فلان للحق، وفي التنزيل +وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا"، المعجم الوسيط باب «عنو» ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت