2 -إنما عرض القرآن لما عرض له من هذه البحوث تنبيهاً لما فيها من دقة الصنع وجمال الإبداع ليكون ذلك حافزاً إلى معرفة الله وصدق الإيمان به، كما يكون حافزاً إلى دوام البحث والنظر كذلك.
3 -إن هذا لم يمنع القرآن الكريم من أن يتعرض لكثير من النواميس الدقيقة في هذه العلوم، إرشاداً للخاصة من الناس، وإثباتاً لنسبة هذا الكتاب الكريم إلى العليم الحكيم.
4 -كان أسلوب القرآن في التكلم عن هذه المظاهر الكونية أسلوباً معجزاً حقًا، فيه إجمال وفيه دقة، وفيه وضوح إلى جانبهما، فهو يرضي النفس الفطرية، كما يشبع نهمة الفكرة العلمية، كما لا يمكن أبداً أن يصطدم في مرونته وسعة معاني ألفاظه بنتائج البحث العلمي أيًّا كان في أي عصر من العصور، وهذا من أبلغ وجوه إعجاز القرآن.
5 -إن القرآن بهذا الأسلوب فارق عما في أيدي الناس مما يزعمونه التوراة والإنجيل، فقد امتلأت بالتفريعات الدقيقة لهذه العلوم والتفصيلات الشاملة للتحدث عن كل مظاهر الكون، والتصوير المادي لكل ما فيه فكانت نتيجة ذلك أن اصطدمت هذه الصور والأحكام بنتائج البحوث العقلية الثابتة، فسقطت قيمتها العلمية في نظر الكونيين سقوطاً لا قيام لها بعده، وكان من ذلك الخصومة الحادة التي ذهب ضحيتها كثير من العلماء أمثال «جاليليو» (1) وغيره، وانتهت بأن قبع الدين في زوايا الكنائس والأديرة، وليس في القرآن الكريم شيء من هذا كله وهو قد ساير العلوم والمعارف منذ نزل على قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - فأشرقت الدنيا بنوره إلى الآن، فلم يصطدم مع قانون
(1) جاليليو (1564 - 1642 م) عالم إيطالي اشتغل بالفلك والرياضة والطبيعة، وضع أسس العلم التجريبي الحديث، اتجه أولاً للدارسات الطبية ثم تغلبت عليه رغبة البحث في الرياضة والطبيعة فأثبت بالتجربة أن مدة ذبذبة البندول ثابتة مهما تغيرت سعتها، اخترع الميزان المائي وأثبت خطأ تعليمات أرسطو عن حركة الأجسام فوجد أنها تسقط بنفس السرعة وبعجلة ثابتة مهما اختلف وزنها، وأثبت أن مسار القذيفة قطع مكافئ، وفي 1609 م صنع أول منظار فلكي أظهر به أن سطح القمر جبلي وأن الطريق اللبنية بها عدد لا يحصى من النجوم، وفي 1610 م اكتشف أربعة أقمار للمشترى ودرس أوجه الزهرة والبقع الشمسية وأيد نظرية كوبرنيكوس في دوران الأرض حول نفسها فحوكم وأرغم على نبذها - محمد شفيق غربال - الموسوعة العربية الميسرة ج 1 ص 597.