«ونقل الفضل بن زياد عن أحمد - رضي الله عنه - أن محله الدماغ وهو اختيار أصحاب أبي حنيفة - رضي الله عنه - » (1) .
والواقع أن أهم قضية وهي قضية التوحيد، وحدانية الله - سبحانه وتعالى - هي في المقام الأول قضية عقلية؛ لأن من الطبيعي أنك إن أعملت عقلك فإنك تصل بهذه الفطرة السليمة وهذا العقل السديد الذي لم يلوثه شيء إلى حقيقة وجود الخالق - سبحانه وتعالى - وذلك بالتفكر والتدبر واستخدام العقل في الوصول إلى هذه الوحدانية لله - سبحانه وتعالى - ، فإذا تأملت الكون وناموسه وجدت نظاماً بديعاً بتقدير العليم القدير، وانظر مثلاً إلى الشمس والقمر: {لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ ولا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40] ، ويدعونا المولى - سبحانه وتعالى - إلى التأمل بعقولنا في آيات كتابه الحكيم فيقول: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الألْبَابِ} [آل عمران: 190] أولئك أصحاب العقول الراجحة النابضة الواعية: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191]
وحين تفكر هذا الأعرابي البسيط في هذا الكون قال: «البعرة تدل على البعير، وآثار الأقدام تدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا تدل على الواحد القهار» ؟! لقد استخدم هذا الأعرابي الأمي عقله الراجح، فإذا القرآن يؤكد ما وصل إليه هذا الأعرابي من قواعد منطقية فيقول: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] ، أما هذا التعيس الذي مسخ عقله وفسدت فطرته حين جادله سيدنا إبراهيم - عليه السلام - وقال له: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} [الأنعام: 258] ، فانظر إلى إجابته السخيفة بعد أن اعتدى على الإنسان المظلوم فقتله وترك
(1) ذم الهوى، لابن الجوزي، ص 5