حتى يحصره بين هذين الأمرين: الزمان، والمكان فحسب. فما لم ينحصر بينهما لم يدركه العقل بنفسه، فالعقل لا يحكم إلا في حدود الزمان والمكان فما كان خارجًا عنهما من مسائل مثل الروح، والقبر وعذابه ونعيمه، والجنة، والنار، وأمور القدر، وأسماء الله وصفاته، وغير ذلك من الأمور الغيبية، فلا حكم للعقل عليها، ولابد من التسليم إيمانًا بما أخبرلا به الرسل؛ وذلك لأن العقل محدود والمحدود لا يحكم على غير المحدود، لأنه لا يستطيع أن يحيط به.
فالعقل يختل ميزانه إن حاول الحكم على غير المحدود، ويقع في التناقض المستحيل إذا بحث فيما لا ينتهي، كالبحث في عالم الغيب مثلاً وخلود المؤمنين في الجنة، فعقل المؤمن موقن بأن ذلك حقيقة، وجاءه هذا اليقين ليس من تفكير العقل المجرد، ولكن من الخبر الصادق وأما عقله فلا يحيط بهذا الخلود، فهو يحتاج إلى الإيمان بنور الوحي لكي يضيء له الطريق ويحدد له المعنى المراد من رب العباد.
فعندما يخبرنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأن القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، فإذا أتى من يريد أن يحكم عقله المريض فيما أخبر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيحفر القبر ليرى الروضة أو الحفرة التي أكد وجودها النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإنه لن يرى هذه أو تلك؛ لأن تأكيد وجودها ليست مهمة العقل الذي يريد أن يراها رأي العين في دنياه؛ ولهذا السبب يسمي العلماء العبادات غير معقولة المعنى، ففيها التسليم والطاعة؛ ولهذا أيضًا فإن والمسلم يتهم عقله بالعجز ولا يتهم الشرع بالنقص؛ ولذا وجب على المسلم أن يعي ذلك ويتفهمه.
فكم زلت أقدام بعد ثبوتها حين أطلقت للعقل العنان، وجعلته هو المنشئ المريد، وكم هوت عقول في مكان سحيق وتخطفتها الطير لهذا السبب، وكم من عقل مضى في الطريق فضلّ حين رفض الوحي مرشداً، فإذا هو {كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً ووَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} [النور: 39] ، أويصبح في حالة كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ