ولذا يبدو لي أنه يظهر المسلم في أي بلد أنه مواطن يحب بلده و يكره من يفسدها و يعاديها و هو حام لحماها حريص على حاضرها و مستقبلها و هذا لا يعني الولاء للأديان التي علت بفسادها أو الأفراد الذين يفسدون في الأرض و لا يصلحون أو الحكومات التي تسن القوانين المخالفة للإسلام بل هو ولاء للبلد الذي يحمل صاحبه على التفكير الجاد في أن يقدم الخير لشعبها و أرضها حتى يحقق فيها رحمة الإسلام للعالمين، ويبذر الخير للناس أجمعين.
وعليه فلا حرج حتى على المهاجرين أن يقول أنا مسلم فرنسي أو مريكي أوياباني من أصل شامي أو مغربي أو مصري أو هندي ....إلخ كما أنه لا حرج أن يعتز ابن البلد الأصلي ببلده لا بحكومتها و لا بقوانينها المخالفة لدينه و أن يقول كل لأخيه:
خليلي إنا مقيمان ها هنا…وكل مقيم للمقيم ينسب
وليس كما قال الشاعر
خليلي إنا غريببان ها هنا…وكل غريب للغريب ينسب
الضابط الثاني: تأكيد المسؤولية عن إصلاح الوطن:
يجب أن يكون الاجتهاد لفقه الأقليات دافعا إلى تأكيد دور المسلم في إصلاح وطنه و مجتمعه و عالمه لا أن ينحصر في فقه الحماية من الفتن و الوقاية من المحن، مثل من يدعون إلى وجوب إنشاء المدارس الإسلامية حماية لأبنائنا من الفتن لكن لا يوجد فكر قيادي إصلاحي لبناء قيادات حية من أبنائنا تنفع المجتمع و تقوده إلى رشده و مثل من يدعو إلى المشاركة في الانتخابات حتى لا تضيع حقوق الأقلية و تمنع الحكومات و لو جزئيا من التمييز العنصري أو مساندة الظلم العالمي على فلسطين أو العراق أو أفغانستان أو كشمير أو الشيشان، هذا الفقه ضيق عن استيعاب الرسالة كلها، أو الدور الكامل للمسلم أن ينفع نفسه و أهله وفي الوقت ذاته يصل خيره إلى مجتمعه صالحا أو طالحا، و بلده حتى لو كانت تحكم بالشر لأن هذا هو الميدان الحقيقي للدعوة و إلا فأين مجال الإصلاح الذي أوجبه الله علينا؟
و من الدلالة على وجوب تبني اجتهادات فقهية للأقليات تدفعهم إلى إصلاح بلدهم و مجتمعهم ما يلي:
أولا: قوله تعالى"فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم و اتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه و كانوا مجرمين، و ما كان ربك مهلك القرى بظلم و أهلها مصلحون"هود:116 ، 117
هاتان الآيتان هما خلاصة سورة هود في رسالة الأنبياء حتى لا يدركهم الهلاك، و الآية الأولى تتحدث عن قوم أولي بقية من عقل أو دين كما يذكر القرطبي يقومون بواجب الإصلاح و البيان و النهي الفساد عن الأرض و ليس في ديار الإسلام فقط، و أن قيام هؤلاء بواجب الإصلاح هو العاصم من القواصم و الحافظ من الإهلاك في الآية الثانية
ثانيا: لقد شغل سيدنا إبراهيم عن البشرى الكبيرة أن يرزق بولد"إسحاق"من زوجته الأولى"سارة"شغل عن هذا كله بالجدال مع الملائكة عن قوم لوط ألا يعجلوا عليهم في العقوبة لإعطاء فرصة أخرى لإصلاحهم و لقد صور القرآن هذا المشهد المؤثر في حرص الداعية و المصلح على قومه حتى لو كانوا لوطيين في هذه الآيات:"فلما ذهب عن إبراهيم الروع و جاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط إن إبراهيم لحليم أواه منيب، يا إبراهيم أعرض عن هذا إن قد جاء أمر ربك و إنهم آتيهم عذاب غير مردود."هذا الموقف المهيب الذي يقف فيه سيدنا إبراهيم يجادل عن قوم لوط ووصفه الله تعالى بالحلم و هي صفة ضرورية للمصلحين و امتدحت حرصه، لكن جاء الأمر الرباني بأن هؤلاء قد استنفذوا كل الوسائل و انتكست فطرهم و إنهم آتيهم عذاب غير مردود.
ثالتا: ما رواه البخاري بسنده عن عروة عن عائشة فالت سألت النبي -صلى الله عليه و سلم-: هل مر عليك يوم أشد من هذا اليوم"يوم أحد"فذكر لها يوم أن اشتد إيذاء قومه له فجاءه جبريل ومعه ملك الجبال بعرض عليه -صلى الله عليه و سلم- أن يهلك أهل مكة جميعا فقل -صلى الله عليه و سلم-: لا بل أدعو الله لهم: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، عسى الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله عز و جل". هذا الموقف النبيل من النبي - صلى الله عليه و سلم- في الوقت الذي أمعنت فيه قريش في الإيذاء، و كانت تملأ المسجد الحرام أصناما حول الكعبة، و تطوف النساء و الرجال عرايا و تقول المرأة:"
اليوم يبدو كله أو بعضه ** فما يبدو منه فلا أحله
وإذا خرجت من المسجد الحرام فستجد في مكة نفسها بيوتا للدعارة عليها رايات حمراء كما جاء في حديث البخاري عن عائشة أيضا، بالإضافة إلى ظلم الأغنياء للفقراء و السادة للعبيد، والقوي للضعيف و الرجل للمرأة ، لكن هذا كله لم يدفع النبي إلى طلب هلاكهم، بل سعى لإصلاحهم و دخل كثير منهم في دين الله أفواجا، و صاروا مادة للإسلام و عونا للمسلمين.
رابعا: ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لقد دعيت إلى حلف في الجاهلية"حلف الفضول"لو دعيت لمثله في الإسلام لأجبت، يبين بجلاء أنه إذا وجد المسلم سبيلا إلى إنشاء أو المشاركة في مؤسسات ذات هدف أخلاقي أو مبدأ إنساني، أو قصد إصلاحي يجب أن يبادر المسلم إليه.