التي ينشدها كل عامل في مجتمعه ولذلك كان التقديم لها يتصل بواقع المجتمع الذي يعيشونه.
فالعقيدة إذًا حين قدموها إنما قدموها ليعالجوا بها مشكلات كانت مستأصلة في زمانهم ولم يقدموها على أنها علم مجرد يجب أن يحفظ ومصطلحات يجب أن تحدد وينتهى الأمر بهذا العلم.
فنوح - عليه السلام - قال لهم (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) ليستقيم سلوكهم وتصورهم ويعرفوا مصدر الخير لأنفسهم ولبلادهم لكن لما وجد إعراضًا من هؤلاء القوم وتصوروا أن الخير يأتى من غير طريق الله - سبحانه وتعالى - وصموا آذانهم و (جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا) فأراد سيدنا نوح - عليه السلام - أن يبين لهم أن هذا الإصرار ليس فيه خير وإن الخير يأتي بالذكر والاستغفار (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا) فلما استكبروا ردهم إلى الصواب (مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا، أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا، وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا، وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا، ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا، وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا، لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا) وهكذا بهذه العقيدة عالج خللًا في الرؤوس لكى يستقيم تفكيرها كي تفكر تفكيرًا سليمًا وترتب عقلها ترتيبًا ربانيًا إذا وعت معنى العبودية.
وهود - عليه السلام - هو نفسه قالها (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) ليعالج بها أمرًا في مجتمعه فقومه غرتهم قوتهم المادية وعاثوا في الأرض فسادًا وهذه القوة المادية التي ملكوها ظنوا أنهم بذلك أصبحوا أقوى من أى قوة أخرى على هذه الأرض يقول لهم ربنا: (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ، وَتَتَّخِذُونَ