القبر والآخرة والحساب، وهكذا كانوا يلفتون الأنظار، ويوجهون الأفكار، ويوقظون العقول وينبهون الفطر، وهكذا كانوا يتعهدون الغراس بالتربية والتنمية فيمتلئ القلب بالإيمان واليقين، وهكذا فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى إن بعض الصحابة من أثر هذه التربية كان يقول: «لو كشف عني الحجاب لما ازددت يقيناً» .
وها هو الحارث بن مالك الأنصاري يعطينا الصورة المشرقة لهذا الإيمان، فقد مر حارثة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمناً حقاً، قال: «انظر ماذا تقول فإن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك» ؟ قال عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً، وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار في النار يتضاغون (يصرخون) فقال: عرفت فالزم» (1) .
والواقع أن العقائد تختلف وتتعدد، فمنها الفاسد ومنها الصالح، فالذين اعتقدوا في الأصنام والأوثان وعبدوها والذين عبدوا البقر عقائدهم فاسدة لا محالة، ولقد دلنا القرآن على قوم عبدوا البشر، وعبادة البشر هنا ليس بالركوع والسجود، ولكنها بطاعة أوامرهم التي تخالف شرع الله - عزّ وجلّ - وقصة عدي بن حاتم - رضي الله عنه - توضح ذلك فعنه قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الْوَثَنَ» ، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّه} [التوبة: 31] ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ» (2) .
فنحن المسلمون العقيدة عندنا هي مجموعة الأمور التي تتصل بمعرفة الله - عزّ وجلّ - ومعرفة أنبيائه ورسله واليوم الآخر وكل الأمور الجازمة التي ليس فيها اجتهاد من عقول البشر بل نتلقاها من الوحي كحقائق لا اجتهاد فيها ولكن بتصديق وتسليم، والواقع أن المولى - عزّ وجلّ - دعا المسلم أن يُعمل عقله في هذه القضية ويفكر ويتدبر حتى
(1) رواه الطبراني.
(2) رواه الترمذي.