ترسخ العقيدة وتكون عن يقين جازم وعن معرفة صحيحة سليمة إذا هو أعمل عقله وتدبر أمره، وحين تكون الفطر سليمة لم تلوث ولم يصبها من الأمراض التي تنتشر في مجتمعها وحافظت على نقائها فإنها تصل إلى هذه الحقيقة: أن لهذا الكون إلهٌ واحدٌ أحد فرد صمد. والآيات المبثوثة في الكون والإنسان والحياة خير دليل على ذلك، والقرآن الكريم عرض هذا الأمر عرضاً طيباً بوجوه متعددة تقنع الناس مع اختلاف تفكيرهم ومشاربهم وبيئاتهم ومعارفهم؛ ذلك لأنه في البداية أمرنا المولى - عزّ وجلّ - بأن نتعرف عليه {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ} [محمد: 19] ، والعلم سابق على العمل؛ لأن العلم هو الذي يحدد التصور الذي يدفع الإنسان إلى السلوك السليم طالما أن هذا التصور لم يشبه أية شائبة، ولم ينحرف عن الصواب، وللعلماء في هذه القضية أمور كثيرة منها العلمي البحت ومنها العقلي الذي يستطيع أن يدركه عامة البشر بفطرهم السليمة.
وانظر إلى هذا الأعرابي الأمي الذي يعيش في صحراء جرداء ولم يتخرج من الجامعة ولم يدرس علم المنطق ولا القياسات ولكن استخدم عقله الاستخدام السليم حين قال: «البعرة تدل على البعير والروثة تدل على الحمير وآثار الأقدام تدل على المسير، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج وبحار ذات أمواج ألا يدل على الصانع العليم القدير» .
وسيدنا إبراهيم - عليه السلام - له مناقشات ومجادلات أثبتها القرآن، وها هو ذا بعدما حطم الأصنام وتهكم على قومه حين سألوه: من حطم هذه الأصنام؟ {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ} [الأنبياء: 63] ، وهو الذي ناقش النمرود حين قال له: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} [البقرة: 258] ، ولتفاهة هذه العقول المادية فإنهم يأتون دائماً بأمور يتصورونها عقلية وما هي من العقل في شيء، فقد جاء هذا التعيس برجلين أحدهما قاتل فأطلق سراحه وآخر مظلوم فقتله، أليس هذا لون من ألوان العبث ولا يمت إلى العقل بصلة؟! ولذلك فسيدنا إبراهيم - عليه السلام - لفت نظره إلى سنن الله في الكون والتي لا تتغير ولا تتبدل ليستثير عقله العاجز عن إدراك حقائق الكون قال: فَإِنَّ اللّهَ