فهرس الكتاب

الصفحة 483 من 545

الإسلامي كما نرى هذه الأيام، وإن كانت هذه الأعمال من التقدم العلمي المذهل قد استفادت منها البشرية إلا أن جزاءهم الأخروي كما قال ربنا: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا} [الفرقان: 23] ، وكما يقول: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ، ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ} [محمد: 1 - 2] ، فنحن حين نقول أن للمولى - سبحانه وتعالى - سننًا مبثوثة في الكون يجتهد فيها من اجتهد، وأولى بالمسلمين أن يجتهدوا في الوصول إليها، وهذا شيء وقبول المولى - سبحانه وتعالى - هذا العمل في الآخرة شيء آخر، بمعنى أن التقدم العلمي شيء وصلاح القلب شيء آخر، وتقدم المسلمين مرهون بهما معًا، وما تخلف المسلمون إلا حين تركوا منهاج الله، فلا هم تقدموا في علوم الدنيا ولا عملوا للآخرة.

من أجل ذلك فإن المولى - سبحانه وتعالى - وضع شرطين لقبول العمل: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] ، وبالنظر إلى التقدم العلمي في الغرب نجد هذا التقدم مادي بحت نُزع منه جانب الأخلاق ولم يصدر عن العقيدة الصحيحة، فنحن نريد أن نصعد إلى السماء بالعلوم التي توصلنا لذلك ولكن حين نصعد نقول: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الألْبَابِ} [آل عمران: 190] ، نعمر الكون ونسخره ونستخرج ما في باطن الأرض حتى يصبح مجتمع المسلمين مجتمع الكفاية والعدل لا ينقصه شيء؛ لدرجة جعلت علماء المسلمين يعتبرون نقص شيء بسيط مثل «إبرة الحياكة» في مجتمع المسلمين يؤثم المسلمين جميعًا حتى تقوم فئة أو مجموعة منهم بصناعة هذه الإبرة التي تكفي هذا المجتمع، وللتشجيع على عمارة الكون وهب الإسلام الأرض لمن أصلحها، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» (1) .

(1) رواه أبو داود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت