فهرس الكتاب

الصفحة 484 من 545

إن العقيدة هي ميراث رسل الله جميعًا، وهي التي ربطت بين المؤمنين بدين الله الواحد الذي لا يختلف في الزمان والمكان، بل هي التي توجه إلى شرف الحياة، ألا ترى كيف دان للحفاة العراة رعاة الشاة القياصرة والأكاسرة وأصبحوا خير أمة أخرجت للناس بفضل عقيدة التوحيد.

إن المؤمن بالله بخير ما صحت عقيدته فيه، وصح إيمانه فأسلم وجهه لله وهو محسن. إنه حينئذ يراه مالك الأمر كله والذي ببيده ملكوت السماوات والأرض وهو وحده الذي يقدر على النفع والضر والعطاء والمنع وليس لأحد مهما كان سلطانه وجبروته يملك ذلك، فهو سبحانه الذي يجير ولا يجار عليه ولا يرجى غيره ولا يخاف سواه، وهو سبحانه الذي يوثق في نصره وعونه وتأييده وبهذا الاعتقاد يتميز رجل العقيدة عن غيره.

فعندما يقول الإمام البنا بأن أعمال القلب مقدمة على أعمال الجوارح؛ فذلك لأن عمل القلب هو الذي يوجه عمل الجارحة؛ ذلك لأن العقل عندما تنيره العقيدة تجده كما يقول ابن القيم: يصرف أوامره للجوارح، فالعين تغض البصر واليد لا تمتد إلا إلى ما أحل الله - سبحانه وتعالى - ، والرِجل لا تسعى إلا لرضى الله ويتدرج الأمر إلى درجة أن الإنسان يطرد الأفكار الخبيثة من داخل عقله، فالفكرة السيئة يطردها، وما التوبة إلا ليشعر بعدها الإنسان أن الله - سبحانه وتعالى - سيحاسبه فيستغفر من ذنبه في دنياه قبل أن يموت ويستأنف عمل الخيرات بل ويسارع إليها، وها هي ذا قصة الغامدية تضرب لنا المثل في إخلاص التوبة بعد ارتكاب كبيرة، فيقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ وَهَلْ وَجَدْتَ شَيْئًا أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى» (1) فاستقامة السلوك تأتي من عمق العقيدة؛ لأن العقيدة لها أثرها الأخلاقي الذي يظهر في سلوك الإنسان؛ ولذلك كانت أولى مراحل النصر أن تنتصر على نفسك، فإذا حققت هذا النصر كان النصر على الهوى والشيطان وأعداء الله أهون وأسهل.

إن العقيدة إذا رسخت في قلوب الرجال هزمت الأعداء؛ لأنك ستقول بثبات

(1) رواه أحمد في مسنده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت