فهرس الكتاب

الصفحة 496 من 545

أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ [التوبة: 31] فقال عدي: يا رسول الله ما كنا نعبدهم فبين له الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن عبادتهم هو تحريم الحلال لهم وتحليل الحرام.

فالشرك في العقيدة لا يقتصر على شرك العبادة بل هناك شرك السياسة حين تتخذ الأوامر المخالفة لشرع الله طاعة، وهناك بجوار ذلك شرك الهوى، وشرك المحبة: {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ} [البقرة: 165] ، وشرك الاقتصاد في حب المال.

لذلك يجب ألا يقتصر نظرنا على الشرك في جانب واحد، حتى نصحح للناس مفهوم العقيدة الشامل ثم نقدم للناس العقيدة والعمل معاً كمنهاج حياة؛ لأن العقيدة هي أساس العمل حقاً وعمل القلب كما فهمنا أهم من عمل الجارحة، وتحصيل الكمال في كليهما مطلوب شرعاً وإن اختلفت مرتبتا الطلب.

ولهذا فإننا لا نستطيع أبداً أن نعود إلى ما كان عليه السلف الصالح وجيل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا إذا نهجنا نهجهم، وعدنا لنقف وقفة مع القلب؛ ليصفو ويطهر، حتى يتحقق فينا قول ربنا: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2] ، وأصحاب هذه القلوب هم: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [الأنفال: 3] ، الذين يصفهم المولى بالوصف الكامل الذي يستحقونه في قوله: {أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 4] ، وبهذا المنهج الرباني يتكون الفرد المسلم أداة التغيير في المجتمع: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [الشورى: 15] ، فإذا صلح الفرد صلحت الأسرة، وإذا صلحت الأسرة صلح المجتمع، فالصلاح دائمًا فبل الإصلاح، ومن هنا كان عمل القلب أهم من عمل الجارحة وفي كليهما الخير كله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت