فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويرومون بذلك أن تغزو هذه الفكرة الخبيثة عقول المسلمين حتى يصبح دينهم محليًا وليس عالميًا وأنه عاجز عن تلبية حاجات البشر زمانًا ومكانًا فلا هو شامل ولا هو عام.
ثم ركزوا بعد ذلك على أن التدين من الأعمال الشخصية الفردية الخاصة بالإنسان في ذاته منفردًا عن الجماعة ومعنى ذلك وباختصار شديد أن الدين الإسلامي له صلة بالجماعات البشرية في نظمها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية وبذلك عزلوا دين الإسلام عن الحكم وقتلوا الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأصبحنا نسمع من يقول: الدين لله والوطن للجميع، دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله وتناسوا قول الله {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ}
وكثرت الفتن بعد ذلك وانتشرت الشبهات والدعاوى الباطلة والجدل العقيم ورحم الله امرءًا عرف زمانه واستقامت طريقته فكان البنا الذي أعاد البناء وأقام الأساس بعد أن تأكد له أن المشكلة ليست سهلة كما يظن البعض، فإن ما أصاب العقل المسلم من صدوع ورضوض وكسور وتقطيع وغزو فكري صده عن المضي إلى غايته وحال بينه وبين رسالته لا يمكن أن يعالج في يوم وليلة بمحاضرة عابرة أو درس هنا ودروس هناك أو موعظة وقتية ثم يمضي الواعظ لحال سبيله أو مقال منشور أو مؤلف مكتوب ولكنها التربية الطويلة والجهد المضني الذي يصنع الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه وهو يحتاج إلى:
المنهج السديد، والعمل الدءوب، الخلق القويم، والنفس الطويل، والصبر الجميل، والموعظة الحكيمة، والوعي المستنير، والمتابعة المتأنية.
وأي دعوة صادقة لا يتأصل فهمها ويصدر عن الكتاب والسنة هي دعوة مبتوتة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار فإذا ما اتصلت بمعينها ومصدر غذائها وحياتها أصبح أصلها ثابت وفرعها في السماء