ليس في العلم خفيف أما سمعت قول الله (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) .
وسُئل الشعبى عن شيء فقال لا أدرى فقيل له ألا تستحى أن تقول لا أدرى وأنت فقيه العراق؟ فقال لكن الملائكة لم تستح عندما قالت (لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا) وصدق أبو الذيال حين قال تعلم لا أدرى فإنك إن قلت لا أدرى علموك حتى تدرى وإن قلت أدرى سألوك حتى لا تدرى.
وقال عبد الله كنت أسمع أبى كثيرًا يسأل عن المسائل فيقول لا أدرى ويقف إذا كانت مسألة فيها اختلاف وكثيرًا ما كان يقول سل غيرى فإن قيل له من نسأل؟ قال سلوا العلماء.
هكذا حال العلماء إمساك اللسان عن الفتيا لا الإسراع فيها سواء كان هؤلاء العلماء من الصحابة أو من التابعين أو تابع التابعين إلى أن جاء القرن الرابع وما بعده بدأ التقليد المذموم والتعصب البغيض والتشنيع على من يخرج عن آراء المذهب ومرت على الفقه الإسلامى فترة جمود قيل فيها قفل باب الاجتهاد ولا ندرى من الذي أغلقه وكيف؟ والناس تجدّ لها مشاكل وأحوال يحتاجون إلى النظر فيها وهي تختلف عن سوابقها فلكل زمان مشاكله وظروفه فكيف يغلق باب الاجتهاد؟ يجب أن نعلم أن الممقوت ليس إتباع مذهب ولكن الممقوت هو التقليد مع القدرة على الاجتهاد بعد أن تتحقق شروطه كما ذكرت، ولذلك سمعنا من الأئمة كلمات تثلج الصدور عند الاجتهاد:
يقول الإمام أبو حنيفة: هذا أحسن ما وصلنا إليه فمن رأى خيرًا منه فليتبعه.
وقد سأله بعض الفقهاء: أهذا الذي انتهيت إليه هو الحق الذي لا شك فيه؟ فقال الإمام: لا أدرى لعله الباطل الذي لا شك فيه، ويقول الإمام الشافعي: أى أرض تقلنى وأى سماء تظلنى إذا جاء حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخالفته، إذا صح الحديث فهو مذهبى.