ولن يتحقق ذلك إلا إذا صحّحنا تفكيرنا بنظرة قرآنية تقرر أمرين:
الأول: أن الدنيا، وإن كنا مأمورين بعمارتها وتسخيرها لصالح الإنسان بالعلم النافع الذي أمرنا المولى بتحصيله، والاستفادة منه لتحقيق العبودية بمعناها الشامل والكامل في هذه الدنيا التي نعيش، إلا أن فيها المتعة والزخرف {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ. قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 14 - 15] .
من أجل ذلك، فإننا حين نرى العصاة الفجرة الكفرة يملكون الدنيا بما حصلوا من علوم وفنون، ولا يحسبون أن ما عندهم هو مبلغهم من العلم، وأن الله يعلم ما لا يعلمون، مصداقا لقول الله: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم: 7] ، فلا يَغُرَّنَّك ما بيدهم من ثمرات وأموال: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ. نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ} [المؤمنون: 55 - 56] . فبالإيمان والعمل والعلم النافع نعمّر الكون؛ لنسعد في الدنيا والآخرة: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64] .
الثاني: ينبغي على الإنسان أن يُرجع إلى الله كلّ أمر من الأمور حتى تستقيم له الحياة على نهج الشريعة التي أوجبها الله، لذلك كان أمر المولى لرسولنا - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فقال: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [هود: 112 - 113] . ولذلك، فالمسلم على حذر من الشهوات والشبهات، فأولوياته أن يؤدب نفسه ويراقبها، ويرقى