ولكي يتضح لك فإن الدارس لأحوال المسلمين قبل هذه الدعوة المباركة يرى الصوفية قد انتشرت انتشارًا واسعًا في بلادنا. فرق لا حصر لها واجتزأ الإسلام اجتزاءً وحصر مفهومه في الجانب التعبدي ولذلك حوربت هذه الدعوة لغرابة الفهم الذي جاءت به من المسلمين بوجه عام ومن بعض العلماء بوجه خاص ولقد أقام الإمام البنا منهجه على أمرين: صحة الاعتقاد وصدق الاتباع فهو يهتم بصحة العقيدة بإتباع السلف الصالح (إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ) وأقام فهم العبادة على الشمول والعموم والسمو والدوام والكمال فمنذ أقول عند نومي:"باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه"حتى أقوم فأقول"الحمد لله الذي أحياني بعدما أماتني وإليه النشور"فأنا في عبادة طوال النهار وآناء الليل منطلقًا إلى حياتي المعتادة وأنا لا تقف العبادة لحظة من اللحظات حتى وضع اللقمة في فم امرأتي كل ذلك عبادة لله يقول أبو داود في سننه:"إذا خرج رسول - صلى الله عليه وسلم - من الخلاء فإنه يقول أستغفر الله ثلاثًا"ويعلق أبو داود قائلًا: لماذا يستغفر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد خروجه من الخلاء؟ فيجيب لأنه جلس في مكان لا يستطيع أن يذكر الله فيه فاستغفر على الوقت الذي قضاه دون ذكر الله فيه.
إن العبادة تسري وتتحقق في كل أمر من أمور حياتنا وليست وقفًا على الشعائر التى نؤديها فحسب كما ذكرنا من قبل ولا شك أن الشعائر هي الزاد الرباني الذي يتزود به العبد السائر في طريق الله وبدونه ينقطع الطريق وتزل الأقدام ومن هنا أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أول الدعوة بتحصيل هذا الزاد (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا، إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) فهو - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من الصحابة وهم الضعاف يواجهون أهل الباطل بهذا الزاد وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا. وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا. إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ