ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم .."."
والشاهد في هذا الحديث القدسي على ما نحن بصدده هو قوله تعالى:"وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم"في مقابلة قوله تعالى:"فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي"- والملأ هم الجماعة كما في القاموس (1) وغيره - فمعنى الجملة الأولى"ذكرني في نفسه"أى سرًّا منفردًا لم يُسمع أحدًا، ومعنى الجملة الثانية:"ذكرني في ملإ"أي: ذكرني في جماعة جهرًا بحيث يسمعون ذكره لله تبارك وتعالى. ولذلك كان ثوابه أن يذكره الله تعالى هناك في الملأ الأعلى وهم الملائكة، وهم المعبر عنهم هنا بقوله:"في ملإ خير منهم". حيث يحدثهم عن عباده الذاكرين له في جماعة، ويباهيهم بهم، ويثني أمامهم عليهم. وكل هذا الذكر الكريم من المولى - عز وجل - إنما يكون جهرًا في مقابلة أن عباده ذكروه جهرًا كذلك فيما بينهم. وهنا ملاحظة مهمة نُبادر بذكرها لتندفع بها شبهة (2) قد تَرِدُ، وذلك أن العلماء الذين جمعوا أحاديث الأذكار في كتب خاصة كالنووي وابن القيم والجزرى وغيرهم يوردون هذا الحديث في هذه الكتب الخاصة، وكذلك فإن كثيرًا من العلماء الذين يجمعون السنة المطهرة ويؤلفونها أبوابًا أبوابًا، إنما يدونون هذا الحديث في أبواب الذكر (3) ، وليس في أبواب العلم والتفقه في الدين، ولا في أبواب النصيحة والتذكير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
2 -في قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث السابق:"فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة".وفى رواية:"إنما مر فجلس معهم". وأمثال ذلك من أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - السابقة دلالة واضحة على ارتباط هؤلاء الذاكرين واتفاقهم على أن يذكروا الله تعالى في جماعة بعضهم مع بعض.
(1) القاموس المحيط (م ل أ) ، والمعجم الوسيط، 2/ 882.
(2) والشبهة هنا والتي يرد عليها المؤلف هى ما يثيره البعض بغير دليل من بدعة الذكر الجماعي
(3) كالإمام مسلم في صحيحه وكالإمام النووي في رياض الصالحين وقد رواه البخارى في كتاب التوحيد من صحيحه"كما ورد فيه غيره من أحاديث الأذكار والدعوات"وذلك لاشتماله واشتمالها على الكثير من أسماء الله تعالى وصفاته وأفعاله.