أضف إلى ذلك إن مادة"التحلق"الواردة بلفظ:"الحلقة"، و"الحِلَق". مرات عديدة في تلكم الأحاديث المذكورة في الفقرة السابقة تدل على أن اجتماعهم وتحلقهم إنما هو على ذكر موحد يشتركون فيه جميعًا، سواء كان قرآنًا يتلى ويتدارس أو غيره من أنواع الأذكار والدعوات، إذ لو لم يكونوا مجتمعين على ذكر معين يجهرون به كلهم أو بعضهم أو أحدهم على الأقل - لما كان لهذا التحلق فائدة، وكان الأولى بهم أن يتفرقوا ويبتعد بعضهم عن بعض دفعًا لأية شبهة رياء، وكان الأولى بهذه الحلقة أن تنفضّ، حتى يتمكن كل منهم من استقبال القبلة، ويخلو بنفسه مع ربه ويذكره على الوضع الذي يريد ما دام كل منهم منفردًا ومستقلًا تمامًا عن الآخرين.
والحق أن كلا من النوعين: الذكر الفردي والذكر الجماعي مطلوب، ولكل منهما أهميته ودواعيه وظروفه وفوائده وثوابه الخاص به.
3 -اشتراك حديث (الذكر العام المطلق) وحديث (الذكر الخاص بتلاوة القرآن ومدارسته) في هذا الثواب العظيم المشتمل على هذه الأمور الأربعة المحددة: غشيان الرحمة، ونزول السكينة، وحفّ الملائكة وذكر الله لهؤلاء المجتمعين على ذكره فيمن عنده - يشير بوضوح إلى الاشتراك والتماثل بينهما في الصفة، ومعلوم أن تلاوة القرآن ومدارسته في جماعة لا تكون إلا جهرًا، فهذه قرينة على أن الذكر الذي يُجتمع عليه يكون جهرًا كذلك.
4 -قوله - صلى الله عليه وسلم -:"وذكرهم الله فيمن عنده". ملتق من حيث المعنى في خط واحد مع قوله - سبحانه وتعالى - في الحديث القدسي:"... ذكرته في ملإ خير منهم"، وبما أن الحديث القدسي يدل على الجهر دلالة واضحة كما سبق، فإن الثواب المماثل له في الحديث الآخر يدل على أن الذكر الوارد فيه جهرٌ أيضًا.
5 -روى أبو داود والترمذي وابن ماجة عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال:"كنا نعد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المجلس الواحد مائة مرة"رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور". قال الترمذي: حديث صحيح."