فهرس الكتاب

الصفحة 357 من 545

فها هو ذا عليه الصلاة والسلام يجهر بالاستغفار وهو في مجلس أصحابه، ولم يكن بضمير الجمع كدعاء عام مثلًا وهم يؤمّنون، بل كان بصيغة المفرد، ويظل يجهر طوال المجلس حتى يفرغ من المائة، والصيغة سهلة محدودة كان يمكن حفظها بمرة أو اثنتين أو ثلاث!! ويبعُد أنهم رضوان الله عليهم لم يشاركوه هذا الاستغفار؛ حيث يستغفر كل منهم لنفسه سرًّا أو جهرًا خفيفًا، فهم أشد منه - صلى الله عليه وسلم - افتقارًا واحتياجًا إلى مغفرة ربهم، كما يبعد أن ينصرفوا إلى شيء آخر وهم في مجلسه - صلى الله عليه وسلم - ، ويسمعونه ويرونه وهو يستغفر ربه وهم لا يستغفرونه بل وينشغلون بشيء آخر غير الاستغفار مهما كان خيرًا، لأن هذا يتنافى مع تمام الأدب معه وكمال التأسي به، وحرصهم الشديد على الثواب. كما أن"العد"لا يتعارض مع"الفعل"فهم يعدون ويستغفرون كما يعد الإنسان لنفسه، وواضح أيضًا أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يجهر ببعض المائة ويسر ببعضها، ولكنه جهر بها جميعًا وإلا لما انضبط العدد، كما يتضح من أسلوب سيدنا عبد الله بن عمر أن هذا كان يحدث كثيرًا، فهو لم يحدث مرة واحدة وقضي الأمر وإلا لقال مثلًا: عددنا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أحد مجالسه كذا ولكنه قال:"كنا نعد". وقال:"في المجلس الواحد".

والحق أن هذا الحديث جليل الشأن في الباب كله؛ فهو دليل على الجهر بالذكر، وهو دليل على الاجتماع على الذكر الجهري، وهو دليل على تكرار الذكر الواحد في مجالس متعددة. فالحمد الله رب العالمين الذي بنعمته تتم الصالحات.

6 -روى الترمذى عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال،:"قَلَّما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه: اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا". قال الترمذي: حديث حسن.

فهذا الحديث الشريف يدل بلا ريب على مواظبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - على هذا الدعاء

(1) الأذكار للنووي - ص 88:87، ط دارالفكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت