في كل مجالسه إلا قليلًا، وإنه - صلى الله عليه وسلم - كان يجهر به دائمًا، وإلا لما سمعه عبد الله في كل مرة .. وهذا هو منحى الإمام النووي في فقه هذا الحديث، حيث ترجم له في كتاب (الأذكار) بهذا العنوان: (باب دعاء الجالس في جمع لنفسه ومن معه) . وذكر النووي أيضًا في (الأذكار) (1) :"أن السلف كان يجمع بعضهم بعضًا للدعاء عند ختم القرآن، يقولون: لتنزُّل الرحمة، ولاستجابة الدعاء في هذا الموطن"، وقال النووي أيضًا في الكتاب نفسه:"روى ابن أبي داود بإسنادين صحيحين عن قتادة التابعي الجليل صاحب أنس - رضي الله عنه - قال:"كان أنس بن مالك - رضي الله عنه - إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا"اهـ. وذلك تطبيقًا للحديث الشريف:"من ختم القرآن فله دعوة مستجابة"رواه الطبراني وغيره."
7 -هذا الحديث الكريم الذي أخرجه السبعة عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما قال:"إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -". فها أنت ذا ترى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابته رضى الله عنهم كانوا بعد تسليمهم من صلاة الفريضة يرفعون أصواتهم بالأذكار التي تقال عقب الصلاة كالتكبير والتهليل، ولا شك أن الصيغ كانت مُوَحدة فيما بينهم، وإلا لحدثت جلبة وضوضاء وتشويش من بعضهم على بعض ولا شك أيضًا أنه كان رفعًا مناسبًا ومعقولًا حتى لا يحدث تشويش على المسبوقين.
فها هى ذى جماعة مجتمعة على ذكر معين قد رفعوا به أصواتهم في بيت الله - عز وجل - والحديث صحيح صريح محكم لم يقل أحد بنسخه والعلماء الذين لم يذهبوا هذا المذهب وقالوا باستحباب الإسرار بأذكار ما بعد الصلاة تأولوا الحديث على أنه - صلى الله عليه وسلم - جهر مدة بقصد التعليم ثم أسَرَّ، علما بأن هذا التفسير لم ينقل قط كخبر من أحد الصحابة وهم المعاصرون المشاهدون فهذه سبعة أدلة على مشروعية الجهر بالذكر في جماعة، كل دليل منها يكفي وحده في بيان مشروعية هذا الأمر في دين الله، فما بالك إذا اجتمعت هذه الأدلة وتضافرت وقوى بعضها بعضًا؟