شمالًا عندما يتحدث إلينا إنسان بكلمة من هنا أو كلمة من هناك لا يهتز الفهم عندنا فليس أضر على الإنسان من أمراض ثلاثة: الجهل والتعصب والهوى، وهذه الثلاثة هي منبت الغلو الممجوج سواء كان قصورًا أو تقصيرًا ليس عند الفرد فحسب بل بالنسبة للأمة فمن المصيبة أن تفترق الأمة وتتضارب وتفسد الصلات ويتقطع ذات البين بمثل هذه المسائل الخلافية، ولأن نجتمع على خلاف بين العلماء قالوه أيضًا كل يأخذ بر أي منهم أفضل بكثير من أن نفترق على أمور يتصور صاحبها أنها من أصول الاعتقاد التي لا خلاف فيها ويفاصل الناس عليها وهي ليست كذلك.
ولذا فإن علماءنا يقولون: لا بد من رد أمور الخلاف إلى الفقهاء والعلماء (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) ، وبذلك ينتفي الغلو في الدين وهو مجاوزة الحد المشروع في أي أمر من الأمور بأن يزاد فيه أو ينقص عن الحالة التى شرع لها، و لا يدخل في الغلو طلب الكمال في العبادة إذا لم يتجاوز الحد فإنه يعتبر من الأمور المحمودة. ونحن لا نستطيع أبدًا أن نجاري من يغلو في دينه لأن الله تعالى يقول: (لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ) وما قصة الثلاثة الذين جاءوا يسألون عن عبادته - صلى الله عليه وسلم - فلما شُرحت لهم كأنهم تقالّوها فقال أحدهم أما أنا فأصوم الدهر كله وقال الثاني أما أنا فأقوم الليل كله وقال الثالث أما أنا فلا أتزوج النساء، ولما علم الرسول - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يعلمهم أنه لا غلو في الدين فقال لهم:"أما أنا فأصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء وهذه سنتي، فمن رغب عن سنتي فليس منى".
وهذا غير الاجتهاد في العبادة - كما قلنا - فالإنسان عندما يأخذ نفسه بالعزيمة فإنه لا يأمر الناس بالأخذ بها ولكن يرحمهم ويعذرهم إن ترخصوا وأما هو فيجتهد في عبادته كما شاء"خير الصيام صيام داود كان يصوم يومًا ويفطر يومًا"