رزقه الله بصيرة فهو يكشف بها حقيقة ما تحت تلك الألفاظ من الحق والباطل ولا تغتر باللفظ كما قيل في هذا المعنى.
تقول هذا جنى النحل تمدحه ... وإن تشأ قلت ذا قيئ الزنابير
مدحًا وذمًا وما جاوزت وصفهما والحق قد يعتريه سوء تعبير
فإذا أردت الاطلاع على كنه المعنى هل هو حق أو باطل فجرده من لباس العبارة وجرد قلبك من النفرة والميل ثم اعط النظر حقه ناظرًا بعين الإنصاف ولا تكن ممن ينظر في مقالة أصحابه ويحسن الظن بهم نظرًا تامًا بكل قلبه ثم ينظر في مقالة خصومه ويسيء الظن بهم كنظر الشرر فالناظر بعين العداوة يرى المحاسن مساوئ والناظر بعين المحبة عكسه ولا يسلم من هذا إلا من أراده الله لكرامته وارتضاه بقبول الحق وقد قيل:
وعين الرضا عن كل عيب كليلةٌ ولكن عين السخط تبدي المساويا
عاشرًا: ضرورة الجمع بين النصوص التي قالها عالم من العلماء أو إمام من الأئمة بمعنى أننا قبل أن نتهم إمامًا أن عقيدته فاسدة أو لديه خطأ في تصور معين ينبغي ألا نجتزأ كلامًا من كلامه ثم نعمم الحكم ولكن ينبغي أن نجمع كل كلامه من متفرقات وأقواله فإن أجمل في وضع وفصّل في آخر فإننا نحمل المجمل على المفصّل وإن أبهم في موضع وأوضح في آخر فيحمل المبهم على الواضح البين، وكذلك نحمل المطلق على المقيد وهكذا ذلك لأن الاجتزاء قد يؤدي إلى الخطأ في الحكم فلو أنك علمت أن ابن القيم يقول بفناء النار والجنة بعد أن ينال المحسن إحسانه والمسيء جزاءه وهذه مقولة الجهمية فهل تتسرع بالحكم على ابن القيم بأنه جهمي بالطبع لا يجوز ذلك.
حادي عشر: ضرورة احتمال كلام العالم على أحسن المحامل إحسانًا للظن بأخيك المسلم فإذا كان هناك كلامًا له وجوه باطلة وأخرى صحيحة نأخذ بالصحيح ونحسن