وهذا سيدنا موسى - عليه السلام - نفسه يخرج بقومه وأعداؤه من خلفه والبحر من أمامه ومنطوق العقل يقول: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء: 61] ، لكن منطوق الإيمان التسليم ومنطوق العقل التفكير، فكان منطوق الإيمان {قَالَ كلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62] ، فضرب بعصاه البحر: {فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء: 63] .
وقصته - عليه السلام - مع الخضر معروفة نقرؤها في سورة الكهف كل يوم جمعة، وتصور حاله - عليه السلام - وهو يسير مع فتاه يوشع بن نون فذكر له عبدًا من عباد الله بمجمع البحرين، عنده من العلم ما لم يحط به موسى، فأحب الرحيل إليه كما حكى لنا ابن عباس عن أبي بن كعب - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إن موسى قام خطيباً في بني إسرائيل فسُئِلَ: أي الناس أعلم؟ قال: أنا فعتب الله إذ لم يردّ العلم إليه، فأوحى الله إليه أن لي عبدًا بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى: يا رب وكيف لي به؟ فوصف له كيف يصل إليه حتى إذا التقى به قال له موسى: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً. قَالَ إنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} [الكهف: 66 - 67] ، قال موسى: {سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا ولا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا} [الكهف: 69] ، قال له الخضر: {فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً. فَانطَلَقَا .. } [الكهف: 70 - 71] وكان ما كان من تصرفات الخضر التي لا يدركها العقل ولا يتصور ما ورائها من حكمة حين خرق السفينة، فالعقل يقول: {أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إمْراً. قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ ولا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً} [الكهف: 71 - 73] ، فكانت الثانية حين أبصر غلامًا يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر رأسه فاقتلعه بيده فقتله، فقال له موسى: {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا} [الكهف: 74] ، قال: أَلَمْ أَقُل لَّكَ إنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً