بإحياء سنَّة أفضى الزمان إلى إماتتها، ومستبدًا بقربة ٍ تتضاءل درجات القُرَب دون ذروتها] [1] .
واشتكى أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي رحمه الله 513 هـ من نقص الغيرة على الدين في زمانه، فقال - فيما نقله عنه ابن مفلح في (الآداب الشرعية) - [إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولاضجيجهم في المواقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة، عاش ابن الراوندي والمعرّى عليهما لعائن الله ينظمون وينثرون، هذا يقول «حديث خرافة» ، والمعرى يقول «تَلَوْا باطلا وجَلَوْا صارما» ، وقالوا: صدقنا، فقلنا: نعم، ويعني بالباطل: كتاب الله عزوجل. وعاشوا سنين وعُظمت قبورهم واشتُريت تصانيفهم. وهذا يدل على برودة الدين في القلب] . نقل ابن مفلح هذا الكلام ثم قال [وهذا المعنى قاله الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى] [2] .
فانظر كيف يستشري الفساد مع ترك انكار المنكر، وليس أدل على هذا من المثال الذي ضربه رسول الله عليه الصلاة والسلام في قوله (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مَرّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نَجَوْا ونَجَوْا جميعا) [3] . والقائم في حدود الله هو الناهي عن المنكر، والواقع فيها هو فاعل المنكر، واستهموا أي اقترعوا، والحديث يدل على أن ترك إنكار المنكر سبب الهلاك العام.
والمثال المضروب في هذا الحديث يذكرني بما قال لي أحد الأطباء الثقات ذات يوم من أن القيام بالحسبة في الأمة الإسلامية يشبه عمل جهاز المناعة المقاوم للجراثيم في جسم الإنسان، وأنه إذا أصيب جهاز المناعة هذا بالعطب كما يحدث في المرض المعروف بالإيدز فلابد أن يموت الإنسان إذ تصيبه الجراثيم بالأمراض الفتاكة دون مقاومة من الجسم فيموت، فكذلك إذا تعطلت الحسبة في الأمة الإسلامية تراكمت فيها المفاسد والمنكرات دون مقاومة حتى تهلكها، ألا ترى أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قد قال في الحديث السابق (فإن تركوهم وماأرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا) . فشبّه هذا الطبيب الحسبة بجهاز المناعة في الجسم، وشبّه المنكرات بالجراثيم المسببة للأمراض.
هذا، وقد كانت الحسبة في دولة الإسلام من أعمال السلطان أحيانا أي يباشرها بنفسه بتولية المحتسبين ومتابعة أعمالهم، وأحيانا أخرى كانت الحسبة تابعة لأعمال القضاة. فكان السلطان أو القاضي يقلد المحتسب - والي الحسبة - عمله، وهذا وأعوانه يباشرون الحسبة في أسواق المسلمين ومجتمعاتهم. وتولي البعض لهذا الواجب لا يسقطه عن بقية المسلمين إذا لم تسد بهم الكفاية. فكيف وهذا الواجب لا يتقلده أحد في هذا الزمان؟.
وللحسبة أحكام وآداب، وهناك فروق بين عمل القاضي وعمل المحتسب، ويرجع في هذا إلى ما أذكره من مراجع إن شاء الله، فليس مقصدي هنا شرح الموضوع أو تلخيصه، وإنما أردت التعريف به وبأهميته قبل ذكر مراجعه.
4 -مراجع دراسة الموضوع:
وهي بحسب أهميتها في هذا الموضوع على الترتيب التالي:
1 - (كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) بإحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي، بالإحياء ج 2 ص 333 - 385. وهو الأساس لكثير ممن كتبوا من بعده في هذا الموضوع.
(1) (إحياء علوم الدين) 2/ 333
(2) (الآداب الشرعية) لابن مفلح، ج 1 ص 237، ط مكتبة ابن تيمية
(3) رواه البخاري عن النعمان بن بشير