فهرس الكتاب

الصفحة 1056 من 1285

إذا اختلفت أقوال الصحابة فمن بعدهم من العلماء، فقد وجب الترجيح بينها، لمعرفة الراجح منها للعمل به، ولايجوز التخيُّر من أقوالهم للعمل بأيها دون نظر في الترجيح.

أما الراجح: فهو الأقوى من بين الأقوال المتعارضة، وإنما يستفيد قوته ورجحانه بموافقته للأدلة الشرعية على الوجه الذي يعرفه العلماء في الترجيح بينها.

وأما دليل وجوب الترجيح: فمنه قوله تعالى (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) النساء: 59، وقوله تعالى (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) الشورى: 10، فالواجب ردّ كل مافيه تنازع من الأدلة أو الأقوال المتعارضة إلى الكتاب والسنة لمعرفة الصواب من الخطأ فيها، ولمعرفة مايُقَدَّم منها ومايؤخر، وهذا الرد هو الترجيح.

ودليل وجوب الترجيح أيضا هو إجماع الصحابة رضي الله عنهم على ذلك وهو حجة قطعية، فقد قدّموا حديث وجوب الغُسل عند التقاء الختانين على حديث الماء من الماء، مع أن الحديثين صحيحان، وغير ذلك مما عملوا فيه بالترجيح، هذا ماقاله الشوكاني رحمه الله [1] ، ونقله بنصه عن الغزَّالي رحمه الله كما هو مذكور في (المستصفى) [2] .

ومن أقوال العلماء في بيان وجوب الترجيح بين الأقوال المتعارضة:

1 -قال ابن تيمية رحمه الله [أجمع العلماء على تحريم الحكم والفتيا بالهوى، وبقول ٍ أو وجه من غير نظر في الترجيح] [3] .

2 -وقال أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله [واعلم أن من يكتفي بأن يكون في فتياه أو عمله موافقًا لقول ٍ أو وجه ٍ في المسألة، ويعمل بما يشاء من الأقوال أو الوجوه من غير نظر في الترجيح، ولا تقيد ٍ به فقد جهل وخرق الإجماع] [4] .

3 -قال ابن القيم رحمه الله[لا يجوز للمفتي أن يعمل بما شاء من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح ولايَعْتَد به، بل يكتفى في العمل بمجرد كون ذلك قولا قاله إمام أو وجها ذهب إليه جماعة فيعمل بما يشاء من الوجوه والأقوال حيث رأي القول وَفْقَ إرادته وغرضه عمل به، فإرادته وغرضه هو المعيار وبها الترجيح، وهذا حرام باتفاق الأمة - إلى أن قال - وقد قال مالك رحمه الله في اختلاف الصحابة رضي الله عنهم مخطئ ومصيب فعليك بالاجتهاد.

وبالجملة فلا يجوز العمل والإفتاء في دين الله بالتّشَهِّي والتخير وموافقة الغرض فيطلب القول الذي يوافق غرضه وغرضَ مَنْ يٌحابيه فيعمل به، ويفتي به، ويحكم به، ويحكم على عدوه ويفتيه بضده، وهذا من أفسق الفسوق وأكبر الكبائر، والله المستعان.] [5] .

هذا، وقد سبق تفصيل هذه المسألة في أحكام المفتي بالفصل الأول من الباب الخامس بهذا الكتاب، عند الكلام في وجوب الإفتاء بالحق وبالأقوال الراجحة.

(1) (ارشاد الفحول) ص 254

(2) (المستصفى) ج 2 ص 394

(3) (الاختيارات الفقهية) لابن تيمية، جمع البعلي، تحقيق الفقي، ط دار المعرفة، ص 332

(4) (أدب المفتي) ص 125

(5) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 211

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت