سبق في أول الفصل السابق تعريف المستفتي بأنه:
السائل الذي يسأل المفتي عن الحكم الشرعي في مسألته، عاميًا كان المستفتي أو فقيهًا.
وهذا التعريف أعمّ من التعريف الذي ذكره النووي رحمه الله حيث قال إن المستفتي هو] كل من لم يبلغ درجة المفتي فهو فيما يَسئل عنه من الأحكام الشرعية مستفت ٍ مقلد من يفتيه [[1] . فهو قد جعل المستفتي مرادفا للمقلد، ولاتلازم بينهما وإن كان هو الحال الأغلب، فقد يطلب المستفتي دليل الفتوى فيكون متبعا لامقلدًا كما سيأتي التفريق بينهما في المسألة الثالثة عشرة إن شاء الله.
كما أن التعريف الذي ذكرناه أعم من التعريف الذي ذكره ابن حمدان رحمه الله حيث قال إن المستفتي هو]كل من لايصلح للفتيا من جهة العلم، وإن كان متميزًا [[2] . فهو قد قصر المستفتي على العامي الجاهل، وقد يكون المستفتي عالما مجتهدًا يصلح للفتيا ولكنه يجهل حكم بعض المسائل فيستفتي فيها، كما قال ابن تيمية رحمه الله]فأما القادر على الاجتهاد فهل يجوز له التقليد؟ هذا فيه خلاف، والصحيح أنه يجوز حيث عجز عن الاجتهاد إما لتكافؤ الأدلة، وإما لضيق الوقت عن الاجتهاد، وإما لعدم ظهور دليل له، فإنه حيث عجز سقط عنه وجوب ماعجز عنه وانتقل إلى بدله وهو التقليد [[3] . وذكره القرطبي أيضا فقال رحمه الله]وعلى العالم أيضا فرض أن يقلد عالما مثله في نازلة خفي عليه فيها وجه الدليل والنظر، وأراد أن يجدد الفكر فيها والنظر حتى يقف على المطلوب فضاق الوقت عن ذلك، وخاف على العبادة أن تفوت أو على الحكم أن يذهب، سواء كان ذلك المجتهد الآخر صحابيا أو غيره، وإليه ذهب القاضي أبو بكر وجماعة من المحققين [[4] .
فلم ينحصر المستفتي إذًا في العامي الجاهل ولا في المقلد، بل كل من يسأل المفتي عن الحكم الشرعي في مسألته فهو مستفت ٍ.
وهذا ما يتعلق بصفة المستفتي.
(1) (المجموع) ج 1 ص 54
(2) (صفة الفتوى) ص 68
(3) (مجموع الفتاوي) ج 20 ص 204
(4) (تفسير القرطبي) ج 2 صـ212