وقد سبق بيان هذا في المبحث الثالث الخاص بدراسة القرآن وعلومه، ونعيده هنا لأهميته. فقد قال ابن تيمية رحمه الله[فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟.
فالجواب: (إن أصح الطرق في ذلك أن يُفَسَّر القرآن بالقرآن، فما أُجمل في مكان فإنه قد فُسر في موضع آخر، ومااختصر من مكان فقد بسط في موضع آخر.
فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: كل ماحكم به رسول الله عليه الصلاة والسلام فهو مما فهمه من القرآن، قال الله تعالى (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا) النساء: 105، وقال تعالى (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) النحل: 44، وقال تعالى (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) النحل: 64، ولهذا قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه» يعني السنة. - إلى أن قال - وحينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرآن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لاسيما علماؤهم وكبراءوهم - إلى أن قال:
إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة، ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين - إلى أن قال رحمه الله: وقال شعبة بن الحجاج وغيره: أقوال التابعين في الفروع ليست حجة فكيف تكون حجة في التفسير؟ يعني أنها لاتكون حجة على غيرهم ممن خالفهم، وهذا صحيح، أما إذا أجمعوا على الشئ فلا يرتاب في كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن، أو السنة، أو عموم لغة العرب أو أقوال الصحابة في ذلك.
فأما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام] [1] .
(1) (مجموع الفتاوى) 13/ 363 - 370