فهرس الكتاب

الصفحة 181 من 1285

ذكرنا في الباب الثالث (كيفية طلب العلم) أن التعلم ليس له إلا طريقان: إما من الرجال (العلماء) وإما من الكتب.

ومع أن التعلم ليس له إلا هذان الطريقان، إلا أن هناك بعض العوامل التي تؤثر فيهما تأثيرًا كبيرًا، أي تؤثر في اختيار العالم المعلِّم وفي اختيار الكتاب، ومن هذه العوامل:

1 -البلد: للموطن الذي ينشأ فيه الإنسان تأثير كبير عليه، ومن هنا وجبت الهجرة على المسلم من دار الكفر إلى دار الإسلام حتى لايفتنه الكفار عن دينه ولينصر المسلمين بدار الإسلام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين) [1] .

ومما يبيِّن تأثير الموطن على العبد ماورد في حديث قاتل المائة حين أراد التوبة، وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على رجل ٍ عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟، فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا فإنَّ بها أُناسا يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء ٍ) [2] . فنصحه العالم بالتحول عن بلد السوء إلى البلد الصالح وأن هذا مما يعينه على التوبة وطاعة الله تعالى، وهذا لمَا للمخالطة من تأثير عظيم على الإنسان حتى قيل إن عدوى الأخلاق أسرع من عدوى الأمراض.

ونضرب مثالا يبين لك تأثير البلد على اختيار المعلِّم والكتاب. فطُلاَّب التعليم الديني في معظم بلدان المسلمين يدرسون العقائد على مذهب الأشاعرة، فلا يدرسون من التوحيد إلا توحيد الربوبية وهو توحيد المعرفة والاثبات أما توحيد الألوهية وهو توحيد العبادة فلا شأن لهم به، وتُدرَّس الصفات على مذهب الأشاعرة لا مذهب السلف، ويُدرَّس الإيمان على مذهب المرجئة. فإذا اجتمعت هذه الآفات تخرج الطالب منحرف العقيدة لا يُنكِر على عُبّاد القبور ولا على سُكّان القصور من الطواغيت لأنهم مؤمنون حسبما تعلَّمه مقرون بالربوبية لله، والعمل ليس من الإيمان، فهذا ضال مُضل مالم يتداركه الله برحمة ٍ. وهؤلاء هم الذين يتولون كثيرًا من مناصب الوعظ والإرشاد لعوام المسلمين، فكيف يصلح حال الأمة والأمر كذلك؟.

2 -الفرقة أو الطائفة أو الجماعة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (والذي نفسي بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة واثنتان وسبعين في النار) قيل: يارسول الله من هم؟ قال: (هم الجماعة) وهو حديث صحيح رواه أصحاب السنن بألفاظ متقاربة، وقال ابن تيمية رحمه الله [الحديث صحيح مشهور في السنن والمسانيد كسنن أبي داود والترمذي والنسائي وغيرهم] [3] . فإذا نشأ المسلم بين فرقة ضالة أو جماعة إسلامية منحرفة فإنها تؤثر تأثيرًا كبيرًا على مايتعلمه فتوجِِّهه للتعلم من هذا المعلم وتمنعه من هذا، وتأمره بمطالعة كتب معينة وتمنعه من قراءة كتب معينة حتى تصبغه الفرقة أو الجماعة بصبغتها، فإذا كانت منحرفة كان من الضالين الهالكين مالم يتداركه الله برحمة ٍمنه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (مامن مولود إلا يولد على الفطرة، فأبَوَاه يُهوِّدانه وينصِّرانه) [4] ، فدل الحديث على أن عشيرة المرء (أبواه) تؤثر عليه أعظم تأثير حتى إنهم ليبدِّلون فطرته ويُغَيِّرون مِلَّته.

(1) رواه أبو داود والترمذي، وقال ابن حجر - في بلوغ المرام - إسناده صحيح، ورجح البخاري إرساله. أهـ، وقال الصنعاني - في سبل السلام - ورواه الطبراني موصولا

(2) متفق عليه

(3) (مجموع الفتاوي) ج 3 ص 345

(4) متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت