وهذا القسم يجب على جميع المكلفين تعلمه في كل زمان ومكان، فيشترك جميع المسلمين المكلفين في وجوب تعلمه. ومنه:
1 -معرفة أركان الإسلام الخمسة: وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا.
ولا يكفي في الركن الأول (الشهادتين) مجرد النطق، بل لابد من معرفة معناهما وشروط صحة شهادة أن (لا إله إلا الله) حتى لايقع العبد فيما يناقضهما.
قال أبو حامد الغزالي رحمه الله [فإذا بَلَغَ الرجل العاقل بالاحتلام أو السنّ ضحوة نهار مثلا، فأول واجب عليه تعلُّم كلمتي الشهادة وفهم معناهما، وهو قول «لا إله إلا الله، محمد رسول الله» ] [1] .
فأما معرفة معناهما: فشهادة أن (لا إله إلا الله) مشتملة على نفي (لا إله) وإثبات (إلا الله) ، أي نفي الألوهية عن غير الله بترك عبادة مادونه، وإثبات الألوهية لله وحده، بإفراده وحده بالعبادات كالصلاة والدعاء والنذر والذبح والخوف والرجاء والتحاكم، فمن صرف شيئا من هذه العبادات أو غيرها إلى غير الله تعالى فقد نقض فعلُه قَولَه ولم يحقق معنى الشهادة، بل يكون كافرًا لإتيانه بأمور ناقضة للشهادة فلابد لصحة هذه الشهادة من تحقيق مااشتملت عليه من النفي والإثبات. وحقيقة العبادة هي التذلل والخضوع، ويتحقق هذا بأن تصير حركات العبد وسكناته وأفكاره وخطراته موافقة لمراد الله تعالى بالتزام أَمْرِه ونَهْيه في كل شأن، كما قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) الأنعام: 162 - 163. هذه هي العبودية الخالصة، ومن هنا عَرَّفها بعض العلماء بأنها [امتثال ماشرعه الله تعالى على ألسنة رُسُلِه] . ثم إن الله تعالى قد جعل مخالفة أمره ونهيه مراتب، فأغلظها المخالفة التي تُبْطِل حقيقة العبادة من أصلها وتنقض شهادة (أن لا إله إلا الله) وهي الأمور المكفِّرة من الاعتقادات والأقوال والأفعال التي نصَّ الشارع على كُفْر من أتى بها، ثم يأتي بعدها كبائر الذنوب غير المكفِّرة والتي يفسق فاعلها، ثم الصغائر.
وأما شهادة (أن محمدًا رسول الله) : فتعني تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ماأخبر به وطاعته في كل ماأمر به، كما تعني إفراده صلى الله عليه وسلم بالمتابعة، فعن طريق الرسول صلى الله عليه وسلم يعرف العبد كيف يعبد ربَّه؟ وكيف يؤدي ماتستوجبه الشهادة الأولى (شهادة أن لا إله إلا الله) . فيعبد الله وِفْق ماجاء به رسوله صلى الله عليه وسلم لاوِفْق مايستحسنه بعقله وهَوَاه أو بعقل غيره وهواه. ومن هنا قال الله تعالى (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) آل عمران: 31.
وأما شروط صحة شهادة أن (لا إله إلا الله) فهي: العلم المنافي للجهل أي العلم بمعناها كما هو مذكور أعلاه، واليقين المنافي للشك، والإخلاص المنافي للشرك، والصدق المنافي للكذب، والمحبة المنافية للبُغض، والانقياد المنافي للترك، والقبول المنافي للرد، والكفر بما يُعبد من دون الله. وهذه الشروط لازمة لصحة إيمان العبد وقبول أعماله في الآخرة. أما في أحكام الدنيا الظاهرة فلا يجوز اختبار الناس للتحقق من اتيانهم بهذه الشروط، خاصة وأن منها شروطًا هي من أعمال القلب التي لاسبيل للعباد إلى معرفتها. وإنما يُطالب العبد في الدنيا بالإقرار والانقياد. فإذا كان ينطق بالشهادتين ولا يأتي بناقض من نواقض الإسلام فهو مسلم. أما اليقين والإخلاص والصدق والمحبة فمن أعمال القلب وعباداته ولاسبيل إلى العلم بها في الدنيا - وإن كانت لها علامات - فأمرها إلى الله تعالى يحاسب عباده عليها يوم القيامة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى) [2] .
(تنبيه) معرفة معنى الشهادتين ليست شرطًا للحكم بالإسلام في الظاهر، وإنما هي شرط لصحة الإسلام على الحقيقة. والكلام هنا في مقامين:
(1) (إحياء علوم الدين) ج 1 ص 25
(2) متفق عليه