فهرس الكتاب

الصفحة 1258 من 1285

وقد أشرنا إلى هذه القواعد عند الكلام في ثبات السنن القدرية من جهة ترتب نتائج معينة على أسباب معينة، وأثر ذلك في كون التاريخ يعيد نفسه، وتتكرر أحداثه في صور متشابهة. وقد اتفق المؤرخون من العرب والعجم على أن عبدالرحمن بن خلدون هو أول من نبّه على ذلك عندما أبرز نظرية (دورية القوة والدولة عبر التاريخ) ، بمعنى أن الدولة تنشأ قوية ثم تهرم وتفنى لتحل محلها دولة جديدة، بيّن ذلك في مقدمته المعروفة (بمقدمة ابن خلدون) . وبالإضافة إلى ذلك فقد نبه على كثير من الظواهر التاريخية وطبائع الشعوب والبلدان وغيرها.

وابن خلدون 808 هـ فقيه مالكي من أهل المغرب رحل إلى مصر في أواخر أيامه وتولى قضاء المالكية فيها، وكان معاصرًا لأكابر علماء ذلك العصر كابن الملقن وسراج الدين البلقيني وغيرهم، وهو الذي نبّه على أهمية كتابة شرح واف لصحيح البخاري حيث نقل عن بعض مشايخه قولهم [إن شرح البخاري دين على الأمة لم تقم به بعد] . ويقال إن هذه الكلمة كانت هي الباعث لابن حجر وبدر الدين العيني على كتابه شرحيهما للبخاري، فكتب ابن حجر 852 هـ كتابه (فتح الباري) ، وكتب العيني 855 هـ كتابه (عمدة القاري شرح البخاري) .

ويعتبر كتاب (مقدمة ابن خلدون) من أوائل الكتب التي تعرضت لذكر القواعد العامة لفهم التاريخ، ولذا نوصي بدراسة نصفه الأول على الأقل، وهذا لمن عنده متسع من الوقت بعد دراسة العلوم الشرعية الأساسية. ومما يفيد في دراسة هذه القواعد العامة أيضا قراءة تفسير القرآن خاصة تفسير ابن كثير.

وأحب أن أنبه هنا على أن ابن خلدون - مع كل مابيّنه - لم يتكلم في حقيقة من أهم الحقائق المفسرة لأحداث التاريخ، ألا وهي الاختلاف الذي أراد الله وقوعه قدرًا بين الخلق وما ترتب عليه من صراعات وتحولات على مرّ التاريخ، مع ما يترتب على هذا الاختلاف القدري من واجبات شرعية، وقد ذكر الله تعالى هذا الاختلاف في نصوص كثيرة منها قوله تعالى (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) هود: 118 - 119، وهذا الاختلاف عدة أنواع: منه مايكون بين المسلمين بعضهم بعضا وهو من أسباب تسلط الكفار عليهم، ومنه الاختلاف بين الكافرين بعضهم بعضا، ومنه الاختلاف بين الكافرين والمؤمنين وهو النوع الذي ذكره ابن القيم في قصيدته النونية فقال:

والله ناصر دينه وكتابه .. ... ورسوله في سائر الأزمان

لكن بمحنة حزبه من حزبه .. ... ذا حكمة مذ كانت الفئتان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت