فقد زاغت الفرق المخالفة لأهل السنة بحيدتها عن هذا المنهج في صور ٍ شتى، منها:
1 -فمن الفرق من استدل لمذهبه الفاسد بما ليس بدليل:
أ - كالاستدلال بالأحاديث الضعيفة والمكذوبة: وهو مايغلب على الشيعة الرافضة.
ب - وكالاستدلال بالعقل والرأي: وهو مايغلب على المعتزلة. والعقل الصريح لايعارض النقل الصحيح أبدا كما قال ابن تيمية، ولكن عقول الخلق تتفاوت وآراؤهم شتى، وقد قال الله تعالى (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ) الأنعام: 116.
ج - وكالاستدلال بالرؤيا والذوق والكشف: وهو مايغلب على الصوفية.
2 -ومن الفرق من استدل لمذهبه الفاسد استدلالا ناقصًا:
وهذا وقعت فيه جميع الفرق المخالفة لأهل السنة، بالاستدلال ببعض النصوص دون غيرها من النصوص في نفس المسألة. فيستدل أحدهم لمذهبه بدليل هو حق في ذاته ويُعرض عن غيره من الأدلة في نفس المسألة، فإذا اعترض عليه بما تركه من الأدلة فإمّا أن يضعِّفها وإما أن ينكرها أو يؤولها. وهذا وقعت فيه الخوارج والمرجئة والشيعة والمعتزلة. ولهذا كان السلف يقولون إن أهل السنة أسعد الناس بالأدلة لأخذهم بأجمعها وتوليفهم بينها بالجمع والتخصيص والتقييد وغير ذلك.
3 -ومن الفرق من استدل لمذهبه الفاسد بتحريف الأدلة وتأويلها وصرفها عن ظاهرها بغير حجة ولابرهان. كما فعل الأشاعرة وغيرهم في تأويل صفات الله عزوجل، وكما فعل الباطنية في تأويل معظم الأحكام والشرائع، وكما فعل الشيعة في تأويلاتهم السخيفة لبعض الآيات. وهنا تظهر أهمية اتباع ماكان عليه السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان كركن من أركان منهج أهل السنة في سد باب هذا التأويل الفاسد، فليس لأحد من هذه الفرق الضالة مستند عن السلف فيما ذهب إليه من تحريف النصوص.
وقد ذكرت صورًا كثيرة للانحراف عن منهج أهل السنة في أكثر من موضع في كتابي هذا، فنكتفي بهذا هنا.
أما أسباب انحراف الفرق الضالة، فيأتي على رأسها اتباع الهوى، كما وصفهم رسول الله عليه الصلاة والسلام - في حديث الفرق - (ألا وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة في الأهواء كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة، وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكَلَبُ بصاحبه، لايبقي منه عرق ولامفصل إلا دخلته) [1] . و (الكَلَبُ) هو مرض الكَلَب الذي يصيب الانسان إذا عَضَّه كلبٌُ مصاب به. وقد قال الله عزوجل (وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) ص: 26، فكل حيدة عن الشريعة فباتباع الهوى. ثم إن اتباع الهوى يحمل أهله على غيره من أسباب الانحراف كاتخاذ الرؤوس الجهال وكالتأويل الفاسد وكالغلو والتشدد وكتقليد أهل الكتاب والمشركين في ضلالاتهم وانحرافاتهم وغير ذلك.
(1) الحديث رواه أحمد وأبو داود وهو حديث صحيح مشهور كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية