بدأ التاريخ الدولي الحديث منذ حوالي خمسمائة سنة مع انهيار الامبراطوريات الدينية في أوربا وإنشاء الدول الحديثة ذات الحدود والسيادة المعترف بهما وذلك بمقتضى معاهدة (وستفاليا) - 1648م - التي اعقبت سلسلة من الحروب والصراعات في أوربا - وهي حرب الثلاثين عاما بين الدول الكاثوليكية والبروتستنتية - انتهت بتقليص نفوذ الباباوات ووقف الاضطهاد الديني وإطلاق الحريات وظهور الدول المدنية الحديثة. وقد صاحب ذلك تطورات عالمية هامة في تلك الحقبة منها:
1 -اضمحلال قوة الدول الإسلامية بوجه عام وعلى رأسها الدولة العثمانية، مع ازدياد قوة الدول الأوربية ازديادًا كبيرًا.
2 -ظهور النزعة العلمانية بما تعنيه من قيام الدول على أسس لا دينية في كافة أنشطتها، وحصر الدين في العلاقة بين العبد وربه. وقد بدأت هذه النزعة في أوربا ثم انتقلت إلى الدول التي كانت إسلامية.
3 -ظهور النزعات القومية والوطنية مع قيام الدول الحديثة ذات السيادة والحدود المعترف بهما. وقد أدى ظهور هذه النزعات إلى ازدياد الصراعات الإقليمية والعالمية.
4 -الثورة الصناعية وماصاحبها من إحلال الآلات محل القوة البشرية في الصناعة مما أدى إلى وفرة هائلة في الانتاج وظهور الحاجة إلى البحث عن مصادر للمواد الخام الأولية والبحث عن أسواق لتصريف فائض الانتاج، وكلاهما كان من أهم أسباب بحث الدول الأوربية عن مستعمرات لها فيما وراء البحار.
5 -التقدم العلمي المذهل الذي صاحب الثورة الصناعية، وظهور المخترعات الحديثة خاصة الأسلحة النارية والبارود والديناميت إلى ماتلا ذلك من مخترعات حربية ومدنية.
والتاريخ الدولي الحديث - شأنه شأن التاريخ كله - عبارة عن سلسلة من الصراعات والحروب تعقبها معاهدات يعاد فيها ترتيب القوى والأوضاع في العالم، فقد خاضت هذه الدول الحديثة سلسلة من الصراعات فيما بينها من أجل فرض الهيمنة والزعامة على أوربا، كما خاضت سلسلة من الصراعات فيما بينها من أجل السيطرة على المستعمرات فيما وراء البحار في العالمين القديم (إفريقيا وآسيا) والجديد (أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية) على السواء، وتبدلت موازين القوى عبر القرون وزالت دول من على خريطة العالم وظهرت دول جديدة، وكان القرن السادس عشر الميلادي هو قرن أسبانيا والبرتغال، والقرن السابع عشر هو قرن هولندا، والقرنان الثامن عشر والتاسع عشر هما قرنا بريطانيا وفرنسا، أما القرن العشرين الميلادي فهو قرن أمريكا، ندعو الله أن يدمر أمريكا وسائر الكافرين وأن يجعل القرون القادمة قرون الإسلام، إن الله على كل شئ قدير.
وعادة ما كان العالم متعدد الأقطاب أو ثنائي الأقطاب، أي فيه عدة قوى متكافئة أو قوتان متكافئتان، وقليلا ماكان العالم أحادي الأقطاب أي فيه قوة واحدة متفوقة على ماعداها، كما كانت بريطانيا في نهاية القرن التاسع عشر، وكما هي الآن أمريكا في نهاية القرن العشرين بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. وهذا الحال لايدوم طويلا إذ عادة ماكانت تظهر قوة فتية ناشئة تنازع هذه القوة الأحادية المتفوقة، وهذه سنة الله كما قال تعالى (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ) البقرة: 251. وهذا التدافع بين الناس هو ماأبرزه ابن خلدون في نظرية (دورية القوة والدولة عبر التاريخ) ، وهو ما أدركه الفيلسوف الألماني هيجل 1831م وعبّر عنه في نظريته المشهورة (بالنظرية الجدلية) وهي نظرية الصراع بين المتناقضات، والتي اقتبسها منه كارل ماركس 1883م، وقصر الصراع الإنساني فيها على الجانب المادي وسمّى نظريته (بالمادية الجدلية) وهي أساس المذهب الشيوعي.