الاستفتاء هو: سؤال المستفتي المفتي عن الحكم الشرعي في مسألته.
فالاستفتاء سؤال، وهذا السؤال يختلف حكمه: فقد يكون واجبا وقد يكون مكروهًا، وبيان ذلك فيما يلي:
أولا: السؤال الواجب.
يكون الاستفتاء واجبا على المسلم يأثم بتركه، وذلك فيما يجهله مما يجب عليه معرفة حكمه. ومايجب عليه علمه ومعرفة حكمه هو فرض العين من العلم بأقسامه الثلاثة التي سبق بيانها في الفصل الثاني من الباب الثاني وهي:
• العلم الواجب العيني العام.
• العلم الواجب العيني الخاص.
• العلم بأحكام النوازل.
فكل ماجهله مما يجب عليه علمه، فقد وجب عليه تعلمه وذلك بالسؤال. ونذكر فيما يلي أدلة هذا الوجوب ثم أقوال العلماء في المسألة.
1 -أدلة وجوب الاستفتاء فيما يجهله مما يجب عليه علمه.
أ - منها قوله تعالى (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) النحل: 43.
ب - ومنها قوله تعالى (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) النساء: 83.
ج ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم (طلب العلم فريضة على كل مسلم) [1] .
وقد سبقت هذه الأدلة وغيرها في الأبواب السابقة.
2 -أقوال العلماء في المسألة.
أ - قال الخطيب البغدادي رحمه الله:] قال عبدالله بن المبارك رحمه الله: إنما طلب العلم فريضة أن يقع الرجل في شيء من أمر دينه يسأل عنه حتى يعلمه [[2] .
ب - وروي الخطيب أيضا بإسناده عن علي بن الحسن بن شقيق قال:]سألت عبدالله بن المبارك ما الذي يجب على الناس من تعلّم العلم؟ قال: أن لايُقدم الرجل على الشيء إلا بعلم يسأل ويتعلم، فهذا الذي يجب على الناس من تعلم العلم. وفسَّره قال: لو أن رجلًا ليس له مال لم يكن عليه واجبا أن يتعلم الزكاة، فإذا كان له مائتا درهم وجب عليه أن يتعلم كم يُخرج ومتى يُخرج وأين يضع؟، وسائر الأشياء على هذا [[3] .
ج - وقال الخطيب رحمه الله]أول مايلزم المستفتي إذا نزلت به نازلة أن يطلب المفتي ليسأله عن حكم نازلته، فإن لم يكن في محلته وجب عليه أن يمضي إلى الموضع الذي يجده فيه، فإن لم يكن ببلده لزمه الرحيل إليه وإن بعدت داره، فقد رحل غير واحد من السلف في مسألة [[4] .
(1) رواه ابن ماجة عن أنس رضي الله عنه وصححه السيوطي
(2) (الفقيه والمتفقه) ج 1 ص 45، وذكره أيضا ابن عبدالبر في (جامع بيان العلم) ج 1 ص 10
(3) (الفقيه والمتفقه) ج 1 ص 45
(4) (الفقيه والمتفقه) ج 2 ص 177