1 -يحرم الإفتاء على الجاهل غير المؤهل للإفتاء.
قال ابن حمدان [وتحرم الفتوى على الجاهل بصواب الجواب، لقوله تعالى (وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ) النحل: 116] [1] .
وقال ابن القيم[مَنْ أفتى الناسَ وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص ٍ، ومن أقره من وُلاَة الأمور على ذلك فهو آثم أيضا.
قال أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله: ويلزم ولي الأمر منعهم كما فعل بنو أمية، وهؤلاء بمنزلة مَنْ يدل الركب، وليس له علم بالطريق، وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطبُّ الناس، بل هو أسوأ حالا من هؤلاء كلهم، وإذا تعين على ولي الأمر منع مَنْ لم يحسن التطبُّب من مُدَاواة المرضى، فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة ولم يتفقه في الدين؟.
وكان شيخنا رضي الله عنه شديدَ الإنكار على هؤلاء، فسمعته يقول: قال لي بعض هؤلاء: أجُعِلْتَ محتسبًا على الفتوى؟ فقلت له: يكون على الخبازين والطباخين محتسب ولايكون على الفتوى محتسب؟.
وقد روى الإمام أحمد وابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا: «مَنْ أفتى بغير علم كان إثم ذلك على الذي أفْتَاه» ، وفي الصحيحين من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لايَقْبِضُ العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤسَاء جهالا، فسُئِلوا فأفتوا بغير علم فضَلّوا وأضَلُّوا» ] [2] .
وقال النووي: [قال الخطيب ينبغي للإمام أن يتصفح أحوال المفتين فمن صلح للفتيا أقرّه ومن لا يصلح منعه ونهاه أن يعود وتواعده بالعقوبة إن عاد. وطريق الإمام إلى معرفة من يصلح للفتوى أن يسأل علماء وقته ويعتمد أخبار الموثوق بهم. ثم روى بإسناده عن مالك رحمه الله قال ماأفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك. وفي رواية ماأفتيت حتى سألت من هو أعلم مني هل يراني موضعا لذلك قال مالك ولاينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلا لشئ حتى يسأل من هو أعلم منه] [3] .
2 -ويحرم الإفتاء على المفتي المؤهل إذا جهل حكم المسألة موضوع الاستفتاء.
قال ابن القيم [إذا نزلت بالحاكم أو المفتي النازلة فإما أن يكون عالما بالحق فيها أو غالبا على ظنه بحيث قد استفرغ وسعه في طلبه ومعرفته، أو لا، فإن لم يكن عالما ً بالحق فيها ولا غَلَبَ على ظنه لم يحل له أن يفتي، ولا يقضي بما لايعلم، ومتى أقدم على ذلك فقد تعرض لعقوبة الله، ودخل تحت قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) الأعراف: 33 فجعل القول عليه بلا علم أعْظَمَ المحرمات الأربع التي لاتُباح بحال، ولهذا حَصَر التحريم فيها بصيغة الحصر. ودخل تحت قوله تعالى: (وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ، إِنَّمَا يَامُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) البقرة: 168 - 169 ودخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم «من أفتى بغير علم فإنما
(1) (صفة الفتوى) ص 6
(2) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 217، وقوله (شيخنا) يعني ابن تيمية رحمه الله
(3) (المجموع) ج 1 ص 41