وسوف نذكر في هذه المسألة أربعة مطالب، وهى: مواضع بحث موضوع التكفير، وتعريف الردة، وقاعدة التكفير، والأخطاء الشائعة في هذا الموضوع.
المطلب الأول: مواضع بحث موضوع التكفير.
كلامنا في التكفير هنا سيقتصر على من ثبت له حكم الإسلام من قبل بكونه أسلم بنفسه أو وُلِدَ على الفطرة لأبوين مسلمين، لا الكافر الأصلي، وإن كان الكفر هو الكفر بغض النظر عمن وقع منه، ولكن الكلام في الكافر الأصلي لا إشكال فيه ومحله أبواب الجهاد.
فنقول إن موضوع التكفير (أي الحكم بالكفر على شخص ٍ ما، وهو مايُعرف بمسألة تكفير المُعَيَّن) له شقان، يتم بحثهما في مواضع مختلفة من كتب العلم، وهما:
(1) شق اعتقادي: متعلق بحقيقة الكفر وأنواعه، ومحل بحثه أبواب الإيمان ونواقضه في كتب العقيدة.
(2) وشق قضائي: ويبحث في أمرين:
(أ) أحدهما: الأمور المكفرة - أي أسباب الكفر - وعقوبة الكافر، ومحل بحثها أبواب الردّة والمرتد في كتب الفقه.
(ب) والآخر: اثبات وقوع الأمر المكفِّر - أي سبب الكفر - من شخصٍ ما، والنظر في خُلُوِّه من موانع الحكم المعتبرة شرعا، وذلك للحكم عليه بالكفر أو لتبرئته. ومحل بحث هذا الأمر أبواب القضاء والدعاوي والبينات في كتب الفقه.
والمقصود هنا التنبيه على أنه لايجوز الإفتاء في مسألة تكفير المعيَّن بالنظر في كتب الاعتقاد وحدها دون النظر في الإجراءات القضائية المتعلقة بذلك. وسيأتي شئ من التفصيل في ذلك عند الكلام عن قاعدة التكفير.
المطلب الثاني: تعريف الردة:
الردة: هى الرجوع عن دين الإسلام إلى الكفر، أو هى قطع الإسلام بالكفر، قال تعالى (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) البقرة: 217.
والمرتد: هو الذي يكفر بعد إسلامه بقول أو فعل أو اعتقاد أو شك.
وتعريفات المذاهب الأربعة وغير الأربعة للردة والمرتد تدور كلها حول هذا المعنى: وذلك لأن الكفر قد يقع بعمل اللسان (وهو القول) ، أو بعمل الجوارح (وهو الفعل) ، أو بعمل القلب (وهو الاعتقاد أو الشك) [1] . وقال أبو بكر الحصني الشافعي] الردة في الشرع: الرجوع عن الإسلام إلى الكفر وقطع الإسلام، ويحصل تارة بالقول وتارة بالفعل وتارة بالاعتقاد، وكل واحد من هذه الأنواع الثلاثة فيه مسائل لاتكاد تحصر [[2] . وقال الشيخ حمد بن عتيق النجدي رحمه الله 1301هـ،]إن علماء السنة والحديث قالوا إن المرتد هو الذي يكفر بعد إسلامه إما نطقًا وإما فعلًا وإما اعتقادًا،
(1) انظر (كشاف القناع) للشيخ منصور البهوتي، ج 6 ص 167 - 168
(2) (كفاية الأخيار) 2/ 123