1 -قول الله تعالى (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) التوبة: 122.
اتفق العلماء - فيما نقلناه عنهم في الفصل الأول من هذا الباب - على الاستدلال بهذه الآية على أن التفقه في الدين فرض كفاية، لأن الله تعالى فرضه على طائفة دون طائفة وقسّم الله تعالى المؤمنين في هذه الآية إلى قسمين:
أ - متفقِّهة: وأمرهم سبحانه بتعليم قومهم وإنذارهم، (وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ) .
ب - وغير متفقهة: وأمرهم سبحانه بالتعلم من المتفقهة وقبول نذارتهم.
وذكر الشافعى رحمه الله هذه الآية - في كلامه المنقول من رسالته في الفصل الأول - ثم قال إن الآية دلت على أن [التفقُّه إنما على بعضهم دون بعض] [1] .
ونقلنا كذلك قول ابن عبدالبر رحمه الله عن سفيان بن عيينة رحمه الله قال [طلب العلم والجهاد فريضة على جماعتهم ويجزئ فيه بعضهم عن بعض)، وتلا هذه الآية (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) ] [2] .
وقال ابن عبد البر رحمه الله - بعد أن ذكر فرض العين من العلم - [ثم سائر العلم وطلبه والتفقه فيه وتعليم الناس إياه وفتواهم به في مصالح دينهم ودنياهم فهو فرض على الكفاية يلزم الجميع فرضه، فإذا قام به قائم سقط فرضه عن الباقين، لاخلاف بين العلماء في ذلك وحجتهم فيه قول الله عز وجل (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ) فألزم النفير في ذلك البعض دون الكل ثم ينصرفون فيعلمون غيرهم، والطائفة في لسان العرب: الواحد فما فوق] [3] .
وقد اختلف المفسرون في الطائفة المتفقهة في هذه الآية، هل هم النافرون أم القاعدون؟. وقد لخص ابن القيم أقوال العلماء في ذلك، فقال رحمه الله [فإنه سبحانه نوَّع عبوديتهم وقيامهم بأمره إلى نوعين، أحدهما: نفير الجهاد، والثاني: التفقه في الدين، وجعل قيام الدين بهذين الفريقين، وهم الأمراء والعلماء أهل الجهاد وأهل العلم، فالنافرون يجاهدون عن القاعدين، والقاعدون يحفظون العلم للنافرين، فإذا رَجَعُوا من نفيرهم استدركوا مافاتهم من العلم بإخبار مَنْ سمعه مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهنا للناس في الآية قولان، أحدهما: أن المعني فهلاَّ نَفَر من كل فرقة طائفة تتفقه وتنذر القاعدة، فيكون المعني في طلب العلم، وهذا قول الشافعي وجماعة من المفسرين، واحتجوا به على قبول خبر الواحد، لأن الطائفة لايجب أن تكون عَدَد التواتر. والثاني: أن المعني فلولا نفر من كل فرقة طائفة تجاهد لتتفقه القاعدةُ وتنذر النافرة للجهاد إذا رجعوا إليهم ويخبرونهم بما نزل بعدهم من الوحي، وهذا قول الأكثرون، وهو الصحيح، لأن النفير إنما هو الخروج للجهاد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «وإذا اسْتُنْفِرْتم فانفروا» ] [4] .
وسواء كانت الطائفة المتفقهة هي النافرة أم القاعدة، فقد دلت الآية على أن التفقه في الدين - وهو معرفة أحكامه على التفصيل - إنما يجب على بعض المسلمين لا كلهم، وهذه هي صفة فرض الكفاية.
2 -قول الله عز وجل (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) آل عمران: 104.
دلت الآية على أن الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - وهي واجبات تقتضى طلب العلم على التفصيل - فرض على الكفاية، على قول من يقول إن (مِنْ) في الآية للتبعيض، وهو الراجح، فأوجبها الله تعالي على البعض لا الكل.
3 -قول الله عز وجل (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) النحل: 43 الأنبياء: 7.
(1) (الرسالة، ص 366)
(2) (جامع بيان العلم، 1/ ص 10)
(3) (جامع بيان العلم، 1/ ص 11)
(4) (اعلام الموقعين) 2/ 233