1 -قال تعالى (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) الأعراف: 33.
هذا نص صريح في تحريم القول على الله بغير علم (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ... وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) . وهو وعيد خاص في حق العالم والقاضي والمفتي وكل مبلغ لأحكام الله تعالى أن يقول على الله مالا يعلم. ويدل النص - بمفهومه - على وجوب العلم قبل القول والعمل ومنه التعليم والحكم والفتوى.
وقد بيَّن الله تعالى في آيةٍ أخرى أن الإقدام على مخالفة هذا النهي إنما هو من تزيين الشيطان، وذلك في قوله تعالى (وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ، إِنَّمَا يَامُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) البقرة: 168 - 169. ومثل هذه الآية قوله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ، كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ) الحج: 3 -4. فدل على أن الجدال وهو أقوال - بغير علم من تزيين الشيطان، وبيَّن سوء عاقبة ذلك.
2 -قول الله تعالى (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا) الإسراء: 36.
ومعنى (وَلاَ تَقْفُ) أي لاتتبع ماليس لك به علم. ذكر ابن كثير رحمه الله أقوال السلف في الآية ثم قال [ومضمون ماذكروه أن الله تعالى نهى عن القول بلا علم بل بالظن والتوهم والخيال - إلى قوله - (كُلُّ أُولئِكَ) أي هذه الصفات من السمع والبصر والفؤاد- (كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا) أي سيُسأل العبد عنها يوم القيامة وتُسأل عنه وعما عمل فيها] [1] .
3 -قوله تعالى (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ) النور: 15.
فَذَمّ الله تعالى القول بغير علم (وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ) وبيّن سبحانه أن هذا أمر عظيم عند الله وإن استهان الناس به. والآية وإن كانت في حق من تكلم في حادثة الإفك إلا أن العبرة بعموم اللفظ.
4 -قوله تعالى (هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ) آل عمران: 66.
قال القرطبي رحمه الله [في الآية دليل على المنع من الجدال لمن لا علم له، والحظر على من لاتحقيق عنده - إلى قوله - وقد ورد الأمر بالجدال لمن عَلِم وأيقن فقال تعالى (وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) النحل: 125] [2] .
5 -قال الله عز وجل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) الحجرات:1.
قال القرطبي رحمه الله [أي لاتقدموا قولا ولا فعلا بين يدي الله وقول رسوله وفعله فيما سبيله أن تأخذوه عنه من أمر الدين والدنيا. ومن قدّم قوله أو فعله على الرسول صلى الله عليه وسلم فقد قدّمه على الله تعالى، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يأمر عن أمر الله عز وجل] [3] .
وفي الآية دلالة على حرمة الإقدام على قول أو عمل قبل معرفة حكم الله تعالى وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم فيه.
وقال ابن القيم رحمه الله - في نفس الآية -[أي لاتقولوا حتى يقول، ولا تأمروا حتى يأمر، ولا تُفْتُوا حتى يفتي، ولا تقطعوا أمرًا حتى يكون هو الذي يحكم فيه ويُمضِيه، روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: لا تقولوا خِلافَ الكتاب والسنة، وروى العوفي عنه قال: نُهُوا أن يتكلموا بين يدي كلامه.
(1) (تفسير ابن كثير) ج 3 ص 39
(2) (تفسير القرطبي) ج 4 ص 108
(3) (تفسير القرطبي، 16/ 300)