فهرس الكتاب

الصفحة 491 من 1285

(تمهيد)

قد تبيّن لك مما سبق ذكره في هذا الكتاب أن طلب العلم منه ماهو فرض عين على كل مسلم، ومنه ماهو فرض كفاية.

وأن الأصل في طلب العلم أن يكون بالتلقي من العلماء وبسؤال الفقهاء.

ولكن قد يتعذر أخذ العلم عن العلماء: إما لندرتهم في بعض البلدان، وإما لجهل المتصدين للتعليم والإفتاء أوفسقهم الذي يمنع الثقة بأقوالهم في بلدان أخرى، ومن هنا كان الرجوع إلى الكتب لامناص عنه.

ومن فضل الله تعالى على هذه الأمة أن اتفق علماؤها على مشروعية التعلم من الكتب، وهو ما يُعرف بالوجادة، وقد فصَّلنا القول في مشروعيتها في الفصل الثالث من الباب الثالث من هذا الكتاب، مع الاتفاق على أن الوجادة أدنى مرتبة من التلقي من العلماء، ولكنها خير من الأخذ عن الرءوس الجهال المذكورين في قوله عليه الصلاة والسلام (إن الله لايقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالمًا اتخذ الناس رءوسا جهالا، فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) [1] .

وهذا من الأشراط الصغرى للساعة، كما قال عليه الصلاة والسلام (من أشراط الساعة أن يقل العلم ويظهر الجهل) [2] . فإن التعلم بالوجادة من نقص العلم لأنها أدنى من التلقي من العلماء بغير شك.

فإذا ثبت أن التعلم بالوجادة جائز، فإنه لايشترط لصحتها إلا التوثق من صحة نسبة الكتاب لمؤلفه، وهذا ثابت بحمد الله تعالى لجميع كتب العلم التي مدار اعتماد الأمة عليها.

هذا، والغرض من وضع هذا الباب (الكتب التي نوصي بدراستها) هو إرشاد طالب العلم إلى مايقرأه ويدرسه، وتتضح أهمية هذا الإرشاد إذا مانظرت إلى كثرة الكتب التي تعج بها المكتبات العامة والتجارية، والتي تبلغ آلاف الكتب في كل صنف من صنوف العلم بين مختصر ومبسوط، فيها الغث والسمين، ومنها ماكتبه أئمة الهدى ومنها ماوضعه دعاة الضلالة، وطالب العلم - خاصة المبتدئ - يقف حيران وسط هذا البحر الزاخر من الكتب لايدري مايقرأ ولابأيها يبدأ؟، وإن لم يدركه توفيقٌُ من الله قد تضيع سنوات من عمره في قراءة مالا فائدة فيه أو مافيه ضلاله وهلاكه، وقد يبدأ بقراءة مالا ينبغي أن يقرأه إلا في مرحلة متقدمة فلا يفهم منه إلا القليل، وقد ينفق ماله في شراء مالا فائدة في شرائه أو مالا ينبغي أن يشتريه في وقته هذا من الكتب، وهذه الآفات وغيرها اشتكى لي منها غير واحد من الشبان المتديّنين. وأنا أشبِّه حال الطالب المبتديء مع المكتبات المليئة بآلاف الكتب بحال من يريد أن يخوض البحر أو يقطع البيداء ولاخبرة له بذلك، كلاهما لابد له من مرشد وإلا فهو هالك لا محالة إن لم تتداركه رحمة من الله. ولأجل إرشاد الطلاب المبتدئين وغيرهم من المسلمين إلى ما يقرأونه وضعت هذا الباب.

وسوف يشتمل هذا الباب إن شاء الله تعالى على ثلاثة فصول، وهي:

(1) متفق عليه

(2) الحديث رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه (حديث 81)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت