سواء كان العلم المطلوب فرض عين أو فرض كفاية، فإن الأصل في التعلمّ أن يكون على أيدي العلماء بالتلقي عنهم مشافهة.
وسوف نذكر في هذه المسألة الموضوعات التالية:
1 -الأدلة على أن التلقي عن العلماء مشافهة هو الأصل في التعلم.
2 -فوائد التعلم بالتلقي عن العلماء.
3 -مايلزم المتلقي عن العلماء من إرشادات.
أولا - الأدلة على أن التلقي عن العلماء مشافهة هو الأصل في التعلم
يدل على ذلك: أن هذا الدين تعلَّمه النبي صلى الله عليه وسلم من جبريل عليه السلام عن الله عز وجل، ثم تعلمه الصحابة رضي الله عنهم من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تعلم التابعون من الصحابة، ثم انتقل العلم (الكتاب والسنة) من كل جيل إلى الذي يليه بالتعليم والسماع فيقولون: أخبرنا وحدثنا. واتصلت أسانيد علوم المسلمين بذلك إلى الصحابة رضي الله عنهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبريل عليه السلام إلى رب العزة جل وعلا. ودليل هذا على النحو التالى:
1 -الدليل على تلقِّي جبريل عليه السلام العلم عن رب العزة جل وعلا.
أ - قال تعالى (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ، وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ) الشورى: 51 - 52. والرسول المذكور في قوله تعالى (أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا) هو جبريل عليه السلام، كما في قوله تعالى (قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) البقرة: 97.
ب - وروى البخاري في كتاب التوحيد من صحيحه تعليقا عن ابن مسعود رضي الله عنه - موقوفا - قال (إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات شيئا، فإذا فُزِّع عن قلوبهم وسَكَن الصوت عرفوا أنه الحق، ونادوا ماذا قال ربكم قالوا الحق) .
ج - ورواه أبو داود في كتاب السنة من سننه عنه مرفوعا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا تكلم الله بالوحي، سمع أهل السماء صَلْصَلة كجرِّ السلسلة على الصفا، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، حتى إذا جاءهم جبريل فُزِّع عن قلوبهم) قال (فيقولون: ياجبريل ماذا قال ربك؟ فيقول: الحق ّ، فيقولون: الحق، الحق) .
2 -الدليل على تلقي النبي صلى الله عليه وسلم العلم عن جبريل عليه السلام.
أ - قال تعالى (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى)
النجم: 1 - 5.
قال ابن كثير رحمه الله [يقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم أنه علّمه الذي جاء به إلى الناس (شَدِيدُ الْقُوَى) وهو جبريل عليه الصلاة والسلام] [1] .
ب - وروى البخاري رحمه الله بإسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ
(1) تفسير ابن كثير، 4/ 247