فهرس الكتاب

الصفحة 382 من 1285

المسألة الثامنة: هل يلزم العاميّ أن يتمذهب بمذهب مُعَيَّن؟

تحدثنا في المسائل السابقة عن حكم الاستفتاء، وصفة المفتي، ومايفعل المستفتي إذا تعدّد عنده المفتون المؤهلون. ونتحدث في هذه المسألة عن التمذهب، وهل يلزم العامي أن يتمذهب بمذهب مُعيَّن؟، فلا يستفتي إلا فقيها من هذا المذهب الذي التزمه. أم لايلزمه ذلك؟.

وفي مسألتنا هذه (التمذهب) نبحث الموضوعات التالية:

1 -بيان أن التمذهب بمذهب معيّن من البدع الحادثة بعد القرون الثلاثة المفضّلة.

2 -بيان اختلاف العلماء في حكم التمذهب.

3 -الكلام في: من التزم مذهبا معينا هل له أن يتحول عنه؟.

أولا: بيان أن التمذهب بمذهب معين من البدع الحادثة بعد القرون الثلاثة المفضلة.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (خيرُ أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) [1] ، فهذه هي القرون الثلاثة المفضّلة.

والقرن: قد يراد به مدة من الزمان، وقد يراد به جيل من الناس (وهم أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمرٍ من الأمور المقصودة) . والمعنى الثاني هو المراد في هذا الحديث، فالمراد بقرن النبي صلى الله عليه وسلم: الصحابة، (ثم الذين يلونهم) : هم التابعون، (ثم الذين يلونهم) هم اتباع التابعين. قال ابن حجر رحمه الله] واتفقوا أن آخر من كان من اتباع التابعين ممن يُقبل قوله من عاش إلى حدود العشرين ومائتين، وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهورًا فاشيا، وأطلقت المعتزلة ألسنتها، ورفعت الفلاسفة رءوسها، وامتُحن أهلُ العلم ليقولوا بخلق القرآن، وتغيّرت الأحوال تغيرًا شديدًا، ولم يزل الأمر في نقصٍ إلى الآن [[2] .

ولم يكن التمذهب معروفًا ولا معمولًا به في القرون الثلاثة المفضّلة، وإنما حدث بعد ذلك، ولو كان خيرًا لعمل به أهل هذه القرون الذين شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخيرية، فهو من البدع المحدثة بلاشك [3] .

قال ابن القيم رحمه الله]وأيضا فإنا نعلم بالضرورة أنه لم يكن في عصر الصحابة رجل واحد اتخذ رجلا منهم يقلده في جميع أقواله فلم يسقط منها شيئًا، وأسقط أقوال غيره فلم يأخذ منها شيئا. ونعلم بالضرورة أن هذا لم يكن في عصر التابعين ولا تابعي التابعين، فليكذبنا المقلدون برجل واحد سلك سبيلهم الوخيمة في القرون الفضيلة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما حدثت هذه البدعة في القرن الرابع المذموم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم [[4] .

وقال الشيخ الشنقيطي رحمه الله]وأما نوع التقليد الذي خالف فيه المتأخرون الصحابة وغيرهم من القرون المشهود لهم بالخير، فهو تقليد رجل واحد معين دون غيره، من جميع العلماء. فإن هذا النوع من التقليد، لم يرد به نص من كتاب ولاسنة، ولم يقل به أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحد من القرون الثلاثة المشهود لهم بالخير.

وهو مخالف لأقوال الأئمة الأربعة رحمهم الله. فلم يقل أحد منهم بالجمود على قول رجل واحد معين دون غيره، من جميع علماء المسلمين.

(1) الحديث متفق عليه

(2) (فتح الباري) ج 7 ص 6

(3) ذكر هذا ابن حزم رحمه الله في (الإحكام) ج 6 ص 146

(4) (اعلام الموقعين) ج 2 ص 189

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت